غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
[ ص: 80 ] مطلب : في حكم قتل ما خلا من النفع والضر كدود ذباب :

وما لم يكن فيه انتفاع ولا أذى كدود ذباب لم يضر كرهه طد ( وما ) أي شيء أو الذي ( لم يكن ) يوجد ( فيه ) أي ذلك الشيء ( انتفاع ولا أذى ) ، بل خلا عن النفع ، والأذى معا ( كدود ذباب ) بإضافة دود إلى ذباب احترازا عن مطلق الدود الشامل لدود القز ، والقرمز الذي يصبغ به ، وهو دود أحمر يوجد في شجرة البلوط في بعض البلاد صدفي شبيه بالحلزون يجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن والديدان المملوك ، فإنه يصح بيعه لصيد سمك ، والعلق لمص دم ، فإذا كان ذلك مملوكا ، فإن قتله محرم بخلاف دود الذباب ، فإنه لا يملك لعدم النفع به .

والدود جمع دودة وجمع الدود ديدان وروى البيهقي في شعب الإيمان عن صدقة بن يسار قال : كان داود عليه السلام في محرابه فأبصر دودة صغيرة قال ففكر في خلقها ، وقال : ما يعبأ الله جل ذكره في خلق هذه قال : فأنطقها الله عز وجل فقالت : يا داود تعجبك نفسك لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر الله وأشكر له منك على ما آتاك الله . قال الله سبحانه وتعالى : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } .

والذباب واحدته ذبابة ولا تقل ذبانة وجمعه في القلة أذبة ، وفي الكثرة ذبان بكسر الذال وتشديد الباء مثل غراب وأغربة وغربان . سمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه ، وفي حديث أنس مرفوعا { الذباب كله في النار إلا النحل } قيل كونه في النار ليس بعذاب له ، بل ليعذب به أهل النار بوقوعه عليهم رواه أبو يعلى الموصلي .

وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله ، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء ، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء } .

وفي رواية النسائي وابن ماجه { إن أحد جناحي الذباب سم ، والآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام فامقله ، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء } .

قال في حياة الحيوان : وقد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الأيسر [ ص: 81 ] وهو مناسب للداء كما أن الأيمن مناسب للدواء . واستفيد من الحديث عدم تنجيسه للمائع ، ولو مات فيه كسائر ما لا نفس له سائلة من البق ، والبعوض ، والعقرب وأشباهها فكل ما لم يكن فيه نفع ولا أذى من الذباب ونحوه ( لم يضر ) أحدا ( كرهه ) وإتلافه ( طد ) أمر من وطد الشيء يطده وطدا إذا أثبته وثقله يعني أن ما خلا عن النفع والضر كان إتلافه وعدم إتلافه على حد سواء فيرجع إلى قسم ما فيه نفع وضر حيث خلا عن ملكية معصوم ; لأنه لما اتصف بالنفع والضر تعادل ضره ونفعه فتساقطا فصار كما لا نفع فيه ولا ضرر .

والحاصل من ذلك إما أن يكون مجبولا على الأذى والضرر طبعا بلا نفع فيقتل ، أو ضده ، وهو ما فيه نفع بلا ضرر فلا ، أو ما فيه ضرر ونفع وخلا عن ملكية معصوم ، أو خلا عن الضرر والنفع فيباح قتلهما وعدمه ، والمراد ما لم يكن نهي الشارع عن إتلافه كالضفدع والنمل والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية