غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في وجوب ضيافة المسلم المسافر النازل به في القرى دون الأمصار .

الثاني عشر : ضيافة المسلم المسافر المجتاز واجبة على المسلم النازل به في القرى لا الأمصار مجانا يوما وليلة ، وذلك قدر كفايته مع عدم . وفي الواضح . ولفرسه تبن لا شعير ، ولا تجب لذمي على مسلم إذا اجتاز به ، فإن أبى المسلم من ضيافة المسلم فللضيف طلبه بالضيافة عند حاكم ، فإن تعذر الحاكم جاز للضيف الأخذ من مال المضيف بقدر ضيافته من غير إذنه ، هذا المذهب بلا ريب . [ ص: 159 ] وتسن الضيافة ثلاثة أيام ، والمراد يومان مع اليوم الأول كما نصوا عليه ، وما زاد عن الثلاثة أيام فصدقة .

ودليل ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم { من كان يؤمن بالله ، واليوم الآخر فليكرم ضيفه } رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة . وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما { ، وإن لزورك عليك حقا } ، وكذا رواه مسلم وغيره واللفظ للبخاري . قوله صلى الله عليه وسلم { ، وإن لزورك عليك حقا } أي لزوارك وأضيافك . يقال للزائر زور بفتح الزاي ، سواء فيه الواحد ، والجمع .

وفي موطأ مالك وصحيح البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من كان يؤمن بالله ، واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان بعد ذلك فهو صدقة . ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه } قال الخطابي : معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره .

وأخرج الإمام أحمد ، والبزار وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { للضيف على من نزل به من الحق ثلاث ، فما زاد فهو صدقة . وعلى الضيف أن يرتحل لا يؤثم أهل المنزل } وأخرج الإمام أحمد أيضا ورواته ثقات ، والحاكم ، وقال صحيح الإسناد

عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه } وأبو داود وابن ماجه عن أبي كريمة المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه مرفوعا { ليلة الضيف حق على كل مسلم . فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء قضى ، وإن شاء ترك } .

وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح خلا ابن لهيعة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا خير [ ص: 160 ] فيمن لا يضيف } .

إلى غير ذلك من الأخبار الصريحة ، والآثار الصحيحة الناطقة بوجوب الضيافة .

قلت : ولا أعلم في زوايا الأرض وجهاتها أشد إكراما للضيف وأكبر اهتماما بشأنه واعتناء بالضيافة ما خلاالأعراب من بلادنا وما حازاها ، وذلك من حدود مصر إلى صفد ، وكذا بلاد حوران وعجلون ، فإنك تلقى في كل بلدة بيتا مختصا بالضيفان . وأهل تلك البلدة أبدا مجتمعون في ذلك المنزل معتدون لمن ينزل بهم ، فإذا نزل بهم الضيف أحضروا له نزله في الحال ، ثم يأخذون بالاهتمام بالاحتفال له ويكرمونه ويتكلفون له ما لا يتكلفون لأنفسهم .

ثم يهيئون له بعد أكله وشربه المنام بالغطاء ، ويعلفون دابته إن كانت من خالص الشعير ، هذا لمن يعرفونه ولمن لا يعرفونه ، فهذا دأبهم أبدا . أغدق الله تعالى عليهم النعمة . وصب عليهم الرحمة ، فإنهم على ميراث أبيهم الخليل إبراهيم عليه الصلاة وأتم التسليم . وأشد الناس من هذه البلاد اعتناء بذلك جماعة الحنابلة أتباع الإمام أحمد رضوان الله عليه ، فإنهم أشد خدمة للضيف وأكبر اهتماما وأعظم احتراما ، حتى إنهم يخصون الضيف بالطيبات ويهيئونها له .

وفي أكثر المحال لا يأكل أكثر أولاد الكرماء إلا مع الأضياف . وأعرف من لا يهنأ له الأكل وحده دائما أبدا . فالله سبحانه يمن عليهم بجزيل الرزق وكثرته ، ويزيدهم من رحمته آمين . .

التالي السابق


الخدمات العلمية