غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في ذكر بعض مثالب الكبر والعجب .

واستمع الآن إلى بعض مثالب الكبر والعجب عافانا الله وإياك والمسلمين منهما ومن كل فعل يوجب غضبا وإعراضا ، وعذابا وانقباضا ، إنه جواد كريم ، رءوف رحيم .

أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن حارثة بن وهب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { ألا أخبركم بأهل النار : كل عتل جواظ مستكبر } .

قال الحافظ المنذري : العتل بضم العين المهملة والتاء المثناة فوق وتشديد اللام هو الغليظ الجافي .

والجواظ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة هو الجموع المنوع ، وقيل الضخم المختال في مشيته ، وقيل : القصير البطين .

[ ص: 219 ] وأخرج ابن ماجه واللفظ له وابن حبان في صحيحه من رواية عطاء بن السائب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول الله جل وعلا : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار } .

ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعا { يقول الله عز وجل : العز إزاره ، والكبرياء رداؤه ، فمن ينازعني عذبته } . ورواه البرقاني من الطريق التي أخرجها مسلم بلفظ { يقول الله عز وجل : العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني في شيء منهما عذبته } . ورواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة وحده ، ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال الله تعالى : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار } .

وأخرج الطبراني واللفظ له وابن حبان في صحيحه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { ثلاثة لا يسأل عنهم : رجل نازع الله رداءه فإن رداءه الكبر ، وإزاره العز ، ورجل في شك من أمر الله ، والقنوط من رحمة الله } .

وعن حذيفة رضي الله عنه قال { كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة قال : ألا أخبركم بشر عباد الله ؟ الفظ المستكبر . ألا أخبركم بخير عباد الله ؟ الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره } رواه الإمام أحمد ، ورواته رواة الصحيح ، إلا محمد بن جابر .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر } .

العائل بالمد هو الفقير .

وأخرج الإمام أحمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : التقى عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم على المروة فتحدثا ، ثم مضى عبد الله بن عمرو وبقي عبد الله بن عمر يبكي ، [ ص: 220 ] فقال له رجل : ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال هذا يعني عبد الله بن عمرو زعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار } ورواة هذا الحديث رواة الصحيح . وفي رواية للإمام أحمد صحيحة أيضا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر } .

وروى الطبراني بإسناد حسن { عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه مر في السوق ، وعليه حزمة من حطب ، فقيل له : ما يحملك على هذا ، وقد أغناك الله عن هذا ؟ قال : أردت أن أدفع الكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال خردلة من كبر } ورواه الأصبهاني إلا أنه قال { مثقال ذرة من كبر } .

وأخرج الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه من حديث أبي ثعلبة والترمذي وقال : حسن غريب عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال المتكبرون } قال الحافظ المنذري : الثرثار بثاءين مثلثتين مفتوحتين وتكرير الراء هو الكثير الكلام تكلفا .

والمتشدق هو المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما واستعلاء . وهو معنى المتفيهق أيضا .

وتقدم في الكلام على الخلق الحسن .

وأخرج النسائي والترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ، يساقون إلى سجن في جهنم يقال له : بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال } .

بولس بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام بعدها سين مهملة .

والخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة عصارة أهل النار كما جاء مفسرا في مرفوع ابن حبان وغيره .

[ ص: 221 ] وفي الزهد للإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صور الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله عز وجل حتى يقضى بين الناس قال : ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار قيل : يا رسول الله ، وما نار الأنيار ؟ قال عصارة أهل النار } .

وأخرج مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس } .

بطر الحق بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة جميعا هو دفعه ورده .

وغمط الناس بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة هو احتقارهم وازدراؤهم وكذلك غمصهم بالصاد المهملة .

وروى الطبراني في الكبير واللفظ له ورواته محتج بهم في الصحيح والحاكم بنحوه ، وقال : صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله - تبارك وتعالى - وهو عليه غضبان } .

وروى الترمذي ، وقال غريب والطبراني من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي المبتدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشهوات بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله بئس العبد عبد رغب يذله } .

وروى البزار بإسناد جيد عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب } .

وقالت عائشة رضي الله عنها " لبست مرة درعا جديدا فجعلت أنظر إليه ، وأعجب به ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أما علمت أن العبد إذا دخله [ ص: 222 ] العجب بزينة الدنيا مقته ربه حتى يفارق تلك الزينة ؟ قالت فنزعته فتصدقت به . فقال أبو بكر رضي الله عنه عسى ذلك أن يكفر عنك

مطلب : في بيان ماهية العجب ، وبيان الفرق بينه وبين الكبر .

تنبيهات :

( الأول ) : قال في القاموس : العجب بالضم : الزهو والكبر .

وقال في تفسير الكبر : هو معظم الشيء والشرف ويضم ، والإثم الكبير ، كالكبرة ، بالكسر الرفعة في الشرف والعظمة ، والتجبر كالكبرياء ، وقد تكبر واستكبر وتكابر ، وكصرد جمع الكبرى . انتهى .

فقد فسر العجب بالكبر فظاهره أنهما شيء واحد ، وكذا فسره كثير من العلماء .

والتحقيق أن بينهما فرقا دقيقا ذكره المحققون ، منهم الإمام الحافظ ابن الجوزي في تبصرته فقال : أعلم أن الكبر خلق باطن يصدر عنه أعمال ، وذلك الخلق هو رؤية النفس فوق المتكبر عليه ، ويفارقه العجب من جهة أن الكبر لا يتصور إلا أن يكون هناك من يتكبر عليه ، والعجب يتصور ، ولو لم يكن أحد غير المعجب .

والمتكبر يرى نفسه أعلى من الغير فتحصل له هزة وفرح ، وركون له إلى ما اعتقده ، وذلك نفخ الشيطان كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه كان يتعوذ من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه قال : همزه الموتة ، ونفثه الشعر ، ونفخه الكبرياء } . .

التالي السابق


الخدمات العلمية