غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
[ ص: 337 ] مطلب : لبس النبي عليه السلام النعال السبتية : وقد لبس السبتي وهو الذي خلا من الشعر مع أصحابه بهم اقتد ( وقد لبس ) النبي صلى الله عليه وسلم ( السبتي ) نسبة إلى السبت بكسر السين المهملة جلود البقر ، أو كل جلد مدبوغ أو بالقرظ بالقاف والظاء المعجمة محركة ، وهو ورق السلم ، والقارظ مجتنيه ، وكشداد بائعه . وأديم مقروظ دبغ به أو صبغ به من القاموس . وقال الجوهري في الصحاح : والسبت بالكسر جلود البقر المدبوغة بالقرظ تحذى منه النعال السبتية .

وفي الحديث { يا صاحب السبتيتين اخلع سبتيتيك } . ثم إن الناظم رحمه الله تعالى أشار إلى بيان السبتي بقوله ( وهو ) الجلد المدبوغ من جلود البقر بالقرظ ( الذي خلا ) بالدبغ ، والنتف نحوه ( من الشعر ) الذي كان عليه حتى صار غير ذي شعر ، وبهذا فسره وكيع ( مع أصحابه ) الأخيار الذين شاد الله بهم الدين ، وأطلع شمس اليقين ، فهم نجوم الهدى ، ومصابيح الدجى ، فقد نالوا بصحبته صلى الله عليه وسلم ما امتازوا به عن جميع الأمة ، واختصهم ببركة مشاهدته حتى صاروا أئمة فمن استن بسنتهم فاز وأفلح ، ومن مال عن شرعتهم هلك وضل وما أنجح ، فعليهم رضوان الله ما تجلى بذكرهم كتاب ، وما عبق نشر شذاهم فتنعم به ذوو الألباب ، ولما كان لا نجاء لأحد من الأمة إلا بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه ; إذ جميع الطرق إلى الله مسدودة إلا طريقه المستقيمة المعهودة .

قال الناظم رحمه الله تعالى ( بهم ) أي النبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضوان الله عليهم ( اقتد ) فعل أمر مجزوم بحذف الياء والجار والمجرور متعلق به وقدم مع مناسبة القافية ليفيد الحصر أو الاهتمام . يعني أن الاقتداء إنما يصلح بهم لا بزيد ولا بعمرو ومعنى اقتد استن بهم ، واحذ حذوهم ، وافعل مثل فعلهم متأسيا بهم . وفلان قدوة أي يقتدى به ، والضم [ ص: 338 ] أكثر من الكسر . وفي القاموس : القدوة مثلثة وكعدة ما تسننت به واقتديت به .

وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب اللباس بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يلبس النعل السبتية ، ويتوضأ فيها ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك . ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما . ورواه الحافظ ابن الجوزي بسنده إلى عبيد بن جريج { أنه قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : رأيتك تلبس النعال السبتية ، قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال السبتية التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها } . ورواه البخاري وغيره .

قال : وقال أبو ذر رضي الله عنه : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين مخصوفين من جلود البقر } .

مطلب : يستحب كون النعل أصفر والخف أحمر أو أسود .

( تنبيهات ) :

( الأول ) : قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى - : يستحب كون النعل أصفر والخف أحمر أو أسود .

قال في الآداب : ويروى عن يحيى بن أبي كثير أنه قال : النعل السوداء تورث الهم .

وأظن القاضي ذكره في كتاب اللباس ، قال فيؤخذ منه الكراهة .

قال : وروى أبو محمد الخلال عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من لبس نعلا صفراء لم يزل ينظر في سرور ثم قرأ { صفراء فاقع لونها تسر الناظرين } .

( الثاني ) : قال في عين الرعاية وتبعه في الآداب وهو مراد الجميع : يباح المشي في قبقاب خشب وقيل مع الحاجة .

وذكر ابن تميم أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : لا بأس بالخشب أن يمشي فيه إن كان لحاجة .

قال اليونيني في مختصر الآداب : ونقلت من مسائل حرب عن الإمام أحمد رضي الله عنه قيل له فالنعل من الخشب ؟ قال : لا بأس بها إذا كان موضع ضرورة ، وهو في الآداب ، وكأنه يريد أن يفرق بين القبقاب والنعل من الخشب .

والمذهب - والله أعلم - لا بأس ، والله الموفق .

[ ص: 339 ] الثالث ) : قال في الفروع : ويسن أن يقابل بين نعليه .

{ وكان لنعله صلى الله عليه وسلم قبالان } بكسر القاف ، وهو السير بين الوسطى والتي تليها ، وهو حديث صحيح رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه ، وفي المختارة من حديث ابن عباس . ورواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث أنس .

قال في النهاية : القبال زمام النعل ، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين ، وقد أقبل نعله ، وقابلها . ومنه الحديث { قابلوا النعال } أي اعملوا لها قبالا . ونعل مقبلة إذا جعلت لها قبالا ، ومقبولة : إذا شددت قبالها . انتهى .

( الرابع ) يكره أن يخالف بين نعليه بلا حاجة لما فيه من الشهرة والاستهجان

التالي السابق


الخدمات العلمية