غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
قال في الإقناع : ويستحب نكاح دينة ولود بكر ، إلا أن تكون مصلحة في نكاح الثيب أرجح ، من بيت معروف بالدين والقناعة ، حسيبة وهي النسيبة ، أي طيبة الأصل لا بنت زنا ولقيطة ومن لا يعرف أبوها . قال في شرح المنتهى وغيره : لنجابة ولدها فإنه ربما أشبه أهلها ونزع إليهم ، انتهى .

وروى ابن عدي عن أنس رضي الله عنه { تزوجوا في الحجز الصالح فإن العرق دساس } قلت هذا حديث ضعيف . قال السيوطي في أول كتابه الجامع الكبير : جميع ما أعزوه صللعقيلي وابن عدي وابن عساكر والخطيب والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن النجار في تاريخهما والديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن بيان الضعف وقد عزاه لابن عدي . قال في النهاية وفيه { تزوجوا في الحجز الصالح فإن العرق دساس } الحجز بالضم والكسر الأصل ، وقيل " بالضم الأصل والمنبت وبالكسر هو بمعنى الحجزة وهي هيئة المتحجز كناية عن العفة وطيب الإزار ، وقيل هو العشيرة ; لأنه يحتجز بهم أي يمتنع ، وقوله فإن العرق دساس أي دخال بالتشديد ; لأنه نزع في خفاء ولطف ، ومعناه أن الرجل إذا تزوج من منبت صالح جاء الولد يشبه أهل الزوجة في الأعمال والأخلاق وعكسه .

فمن ثم قال الناظم رحمه الله فإن تفعل بأن تزوجت [ ص: 429 ] حسيبة من كرام ( تفز ) أي تظفر ( إذا ) يعني بنكاحها ( بولد ) بضم الواو وإسكان اللام . قال في القاموس : الولد محركة وبالضم والكسر والفتح واحد وجمع ، وقد يجمع على أولاد وولدة بالكسر وولد بالضم . ومراد الناظم هنا الجمع بشهادة قوله ( كرام ) جمع كريم وتقدم تعريفه .

وقد قال بعض الحكماء : أصل المحاسن كلها الإكرام ، والتفضل على الخاص والعام . وما أحسن قول الشاعر :

لا تنكحن سوى كريمة معشر فالعرق دساس من الطرفين     أوما ترى أن النتائج كلها
تبع الأخس من المقدمتين

ثم قال الناظم ( والبكارة ) بالفتح . قال في القاموس : والبكر بالكسر العذراء جمعها أبكار ، والمصدر البكارة بالفتح ، والمرأة والناقة إذا ولدتا بطنا واحدا ، انتهى .

وفي لغة الإقناع : البكر بكسر الباء الموحدة وسكون الكاف من النساء العذراء وهي الباقية العذرة ، وهي ما لها من الالتحام قبل الفضاض ، والاسم البكارة بالفتح ، ومطلق البكر من لم يتزوج ذكرا كان أو أنثى والجمع أبكار ، والمراد هنا ذات البكارة التي هي العذرة ( فاقصد ) أمر من قصد أي عمد ويمم لقوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه { فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك } . متفق عليه .

فإن قلت : كيف تعرف البكر بأنها ولود ؟ فالجواب يعرف مما تقدم من كونها من نساء يعرفن بكثرة الأولاد . وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواها ، وأنتق أرحاما ، وأرضى باليسير } . قال في النهاية فيه عليكم بالأبكار فإنهن أنتق أرحاما أي أكثر أولادا ، يقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق ; لأنها ترمي بالأولاد رميا ، والنتق الرمي والحركة .

وفي لفظ عند ابن ماجه وسنن البيهقي عن عويمر بن ساعدة مرفوعا { عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها ، وأنتق أرحاما ، وأرضى باليسير } .

وفي أوسط الطبراني عن جابر مرفوعا { عليكم بالأبكار [ ص: 430 ] فإنهن أنتق أرحاما ، وأعذب أفواها ، وأقل خبا ، وأرضى باليسير } الخب الخداع .

وروى ابن السني وأبو نعيم في الطب عن ابن عمر مرفوعا { عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها ، وأنتق أرحاما ، وأسخن إقبالا ، وأرضى باليسير من العمل } فإن كان مصلحة في تزويج الأرملة كما فعل جابر لتقوم بأوده وتكفل ولده كان ذلك مندوبا أيضا فإن لكل مقام مقالا . وقالوا في الأبكار : أشهى المطي ما لم يركب ، وأحب اللآلئ ما لم يثقب ، ونظم ذلك في قوله :

قالوا نكحت صغيرة فأجبتهم     أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة     ثقبا وحبة لؤلؤ لم تثقب

فأجابته امرأة فقالت :

إن المطية لا يلذ ركوبها     حتى تذلل بالركوب وتركبا
والحب ليس بنافع أحبابه     ما لم يؤلف في النظام ويثقبا

والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية