غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
[ ص: 125 ] مطلب : في بيان حقيقة الفحش وذكر الآثار الواردة في النهي عنه : وفحش ومكر والبذاء خديعة وسخرية والهزو والكذب قيد ( و ) يحرم على كل مكلف ( فحش ) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة ، وأصله كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي كما في نهاية ابن الأثير .

{ ولما قالت عائشة لليهود ما قالت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب الفحش ولا التفاحش } أراد بالفحش التعدي في القول والجواب لا الفحش الذي هو من قذع الكلام ورديه . والتفاحش تفاعل منه وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة ، ومنه حديث بعضهم وقد سئل عن دم البراغيث فقال إن لم يكن فاحشا فلا بأس .

وفي شرح البخاري للحافظ ابن حجر : الفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويذم ، ويدخل في القول والفعل والصفة ، يقال طويل فاحش الطول إذا أفرط في طوله ، لكن استعماله في القول أكثر . والمراد هنا بالفحش الكلام القبيح .

فأخرج الطبراني في الصغير والأوسط وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا عائشة لو كان الحياء رجلا كان رجلا صالحا ، ولو كان الفحش رجلا كان رجل سوء } .

وأخرج ابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه } .

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها { أن يهودا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم ، فقالت عائشة رضي الله عنها عليكم السام ولعنة الله وغضب الله عليكم . قال مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش } . وفي الصحيحين عنها { استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم ، فقالت عائشة رضي الله عنها وعليكم السام [ ص: 126 ] واللعنة . فقال يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر . قالت ألم تسمع ما قالوا ؟ قال قد قلت وعليكم } .

وفي رواية لهما { أن عائشة رضي الله عنها قالت بل عليكم السام والذام . فقال يا عائشة لا تكوني فاحشة ، فقال ما سمعت ما قالوا ؟ فقال أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا ، قلت وعليكم } وفي لفظ : { مه يا عائشة فإن الله عز وجل لا يحب الفحش والتفحش وأنزل الله تعالى { وإذا جاءوك حيوك } الآية } . الذام بالذال المعجمة والميم الذم ، وروي بالدال المهملة ومعناه الدائم ، والسام الموت . وفي رواية { إنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا } قال في شرح مسلم : فيه الانتصار من الظالم والانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم . انتهى .

وفي كتاب الله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } قال ابن عرفة : كل ما نهى الله عنه فهو فاحش . وأكثر استعمال الفاحشة في الزنا واللواطة وليس مرادا هنا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية