غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في التهجد وما ورد في فضله .

( وخذ ) أيها الأخ الصادق ، والخل الموافق ( بنصيب ) وافر ، وسهم صالح غير قاصر ( في الدجى ) أي في الظلام . قال في القاموس : دجا الليل دجوا ودجوا أظلم كأدجى وتدجى وادجوجى ، وليلة داجية ، ودياجي الليل حنادسه كأنها جمع ديجاة انتهى ( من تهجد ) لقوله تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } يقال : هجد وتهجد أي نام وسهر فهو من الأضداد يطلق على النوم وضده ، ولا يخفى أن مراد الناظم روح الله روحه الأخذ بنصيب من صلاة الليل ، والمتهجد المصلي بالليل . قال علماؤنا : التهجد لا يكون إلا بعد النوم . والناشئة لا تكون إلا بعد رقدة ، وصلاة الليل أعم من ذلك ، فهي ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ، وهي سنة مرغب فيها ، وأفضل من صلاة النهار ، قد وردت بها الأخبار ، وتظافرت بالحث عليها الآثار وأفضل الليل نصفه الأخير ، وأفضله ثلثه الأول ، وهذا معنى قولهم أفضل الليل الثلث بعد النصف كما هو نص الإمام رضي الله عنه .

وقد روى مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل } .

وروى الإمام أحمد ، والطبراني بإسناد حسن ، والحاكم ، وقال صحيح على شرطهما عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، فقال أبو مالك الأشعري : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وبات قائما والناس نيام } [ ص: 497 ] وفي حديث عبد الله بن سلام عند الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين أنه أول ما سمع من كلامه صلى الله عليه وسلم أن قال : { أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام } ، .

وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، ويصوم يوما ويفطر يوما } .

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم ، وقربة إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم } رواه الترمذي في كتاب الدعاء من جامعه وابن أبي الدنيا في التهجد وابن خزيمة في صحيحه والحاكم كلهم من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث ، وقال الحاكم : على شرط البخاري . قلت : وكاتب الليث مختلف فيه ، كان ابن معين يوثقه . وقال النسائي ليس بثقة . وقال أبو حاتم : سمعت ابن معين يقول : أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له . قال : وسمعت أحمد بن حنبل يقول : كان أول أمره متماسكا ثم فسد بآخره . وقال عبد الملك بن شعيب : ثقة مأمون . وقال أبو حاتم : صدوق أمين ما علمت ، وقال ابن عدي : هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يعتمد ، وقد روى عنه البخاري في صحيحه ، والله أعلم .

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، ومقربة لكم إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ، ومطردة للداء عن الجسد } رواه الطبراني في الكبير ، والترمذي في الدعوات من جامعه .

ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد ويطرد عنه الداء .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : فضل صلاة الليل على صلاة النهار [ ص: 498 ] كفضل صدقة السر على صدقة العلانية . رواه الطبراني عنه مرفوعا . قال الحافظ ابن رجب : والمحفوظ وقفه .

وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه : ركعة بالليل خير من عشر ركعات بالنهار أخرجه ابن أبي الدنيا .

وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار ; لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص . وقد كان السلف الصالح يجتهدون على إخفاء أسرارهم .

قال الحسن : كان الرجل تكون عنده زواره فيقوم من الليل فيصلي لا يعلم به زواره . وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت . وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليله وهي لا تشعر ; ولأن صلاة الليل أشق على النفوس ، فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار . فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة .

قال بعضهم : أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس . ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر لقطع الشواغل عن القلب بالليل فيحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا .

ولهذا كانت صلاة الليل منهاة عن الإثم كما مر في حديث الترمذي وغيره .

وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق ، فقال ستنهاه صلاته وما يقول } ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه ، وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين .

التالي السابق


الخدمات العلمية