غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
ثم ذكر بعض مزايا القناعة عودا على بدء فقال :

مطلب : من لم يقنعه الكفاف لا سبيل إلى رضاه : فمن لم يقنعه الكفاف فما إلى رضاه سبيل فاقتنع وتقصد ( فمن ) أي فالإنسان الذي ( لم يقنعه ) ويكفه ( الكفاف ) وهو الذي لم يزد عن قدر الحاجة وكف عن المسألة .

وفي حديث عمر رضي الله عنه : وددت أني سلمت من الخلافة كفافا لا علي ولا لي . قال في النهاية : الكفاف هو الذي لا يفضل من الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه ، انتهى .

وفي شعر مجنون ليلى قيس بن الملوح :

    وددت على حب الحياة لو أنه
يزاد لها في عمرها من حياتيا     على أنني راض بأن أحمل الهوى
وأخلص منه لا علي ولا ليا

وفي بعض الدواوين :

فليتكم لم تعرفوني وليتني     خلصت كفافا لا علي ولا ليا

وفيه الشاهد ، فإذا الإنسان لم يقنع بقدر حاجته من الدنيا ( فما ) نافية حجازية ( إلى رضاه ) متعلق بمحذوف خبرها مقدم و ( سبيل ) اسمها مؤخر والجملة محلها الجزم جواب من . والمعنى ليس طريق ولا سبب ينتهي إلى [ ص: 540 ] رضا هذا الشره ، لأن طالب الدنيا كشارب ماء البحر ، فكلما ازداد شربا ازداد عطشا وظمأ فلا يتصور رضاه بطريق ما .

وفي الحديث { لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب } متفق عليه .

ورواه الإمام أحمد والشيخان أيضا عن حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ { لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا ، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب } وظاهر صنيع السيوطي أنه متواتر والله الموفق .

وفي رواية عند الإمام أحمد وابن حبان عن جابر رضي الله عنه { لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم تمنى مثله حتى يتمنى أودية ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب } ورواه البخاري أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( فاقتنع ) افتعل مثل اكتسب واحتصد واغترب ، أي اطلب القناعة واعتمد عليها .

( وتقصد ) معطوف على اقتنع ، والقصد مثل التزهد مشتق من القصد وهو استقامة الطريق والاعتماد وضد الإفراط وهو المراد هنا كالاقتصاد ، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل كالمقصد . وفي صفته صلى الله عليه وسلم كان أبيض مقصدا ، وهو الذي ليس بطويل ولا قصير ولا جسيم كأن خلقه نحى به القصد من الأمور . والمعتدل الذي لا يميل إلى حد طرفي التفريط والإفراط .

التالي السابق


الخدمات العلمية