غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في الاقتصاد في الأمور .

وفي الحديث الشريف { ما عال مقتصد ولا يعيل } أي ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر قلت : والحديث رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ { ما عال من اقتصد } .

وفي مسند الإمام أحمد بسند رواته ثقات عن أبي عسيب رضي الله عنه قال { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه ، ثم مر بأبي بكر رحمه الله فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر رحمه الله فدعاه فخرج إليه ، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار ، فقال لصاحب [ ص: 541 ] الحائط أطعمنا ، فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم دعا بماء بارد فشرب فقال لتسألن عن هذا يوم القيامة . فأخذ عمر رحمه الله تعالى العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال نعم إلا من ثلاث : خرقة كف بها عورته ، أو كسرة سد بها جوعته ، أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر } .

وروى الحاكم والترمذي وصححاه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء } الجلف بكسر الجيم وسكون اللام بعدهما فاء هو غليظ الخبز وخشنه . وقال النضر بن شميل : هو الخبز ليس معه أدم ولا معنى لكثرة الإيراد من هذا الباب ، مع اشتهاره عند ذوي الألباب . ولا شك أن الاقتصاد محمود ، وعمل فاعله مقبول غير مردود .

فاقتصد في كل شيء تحظ بالعقبى وتحفظ     لا تكن حلوا فتؤكل
لا ولا مرا فتلفظ     واغتنم ذا العمر واعلم
أنه كالدر ملحظ     فإذا فرط فيه المرء
لم يحمد ويكعظ     نح على عمر تقضى
ومضى لهوا يلاحظ     ساعة منه تساوي
قيمة الدنيا وتدحض     أين من يبصر قولي
كيف والناظم أجحظ     رب خلصني لعلي
من قيود النفس أنهض



التالي السابق


الخدمات العلمية