غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في الأخبار والأحاديث الواردة في فضل التوبة والترغيب فيها .

( الخامس ) : في ذكر بعض أخبار نبوية وأحاديث محمدية وآثار سلفية في فضل التوبة والترغيب فيها والحث عليها وما أشبه ذلك .

قد علمت أن التوبة واجبة على كل أحد من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها ، وأن الذنوب ثلاثة أقسام : ترك واجب فعليك أن تقضيه أو ما أمكنك منه ، أو ذنب بينك وبينه تعالى كشرب الخمر فتندم عليه وتوطن القلب على عدم العود إليه أبدا ، أو ذنب بينك وبين العباد ، وهذا أشكلها وأصعبها ، وهذا يتنوع أنواعا لأنه إما في المال أو النفس أو العرض أو في الحرمة أو الدين بأن كفره أو بدعه . فما كان في المال فلا بد من رده إن [ ص: 590 ] أمكن أو الاستحلال منه ، فإن تعذر لغيبة الرجل أو موته فوارثه مقامه ، وإلا بأن لم يكن له وارث تصدق به عنه ، فإن لم يقدر على شيء من ذلك فليكثر من الحسنات ، ومر ما يفهم عنه جميع ذلك ، والتوبة من الجميع واجبة على كل حال ، وهي من أعظم الأمور اهتماما .

وقد ورد عن بعض العلماء العاملين أنه قال : دعوت الله سبحانه وتعالى ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحا ثم تعجبت في نفسي وقلت سبحان الله حاجة دعوت الله فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن فرأيت فيما يرى النائم قائلا يقول لي أتعجب من ذلك ؟ أتدري ماذا تسأل الله تعالى ؟ إنما تسأله سبحانه أن يحبك ، أما سمعت قول الله تعالى { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } .

إذا علمت هذا فقد قال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } ، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } إلى غير ذلك من الآيات القرآنية ، والكلمات الربانية .

وأما الأحاديث النبوية فهي كثيرة جدا . ونذكر منها هنا طرفا فنقول : أخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من تاب من قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه } .

وروى الإمام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح والبيهقي واللفظ له عن صفوان بن عسال رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه الله عز وجل للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه }

" وروى أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { للجنة ثمانية أبواب ، سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه } .

[ ص: 591 ] وابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعا { لو أخطأتم حتى تبلغ السماء ثم تبتم لتاب عليكم } . والحاكم وقال صحيح الإسناد عن جابر مرفوعا { من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة } . والترمذي وقال غريب والحاكم وقال صحيح الإسناد وابن ماجه عن أنس مرفوعا { كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون } .

التالي السابق


الخدمات العلمية