صفحة جزء
وروى داود بن سعيد عن مالك عن عمه عن عمر بن عبد العزيز أن القرابة لا للسلم منه إلا بالفقر ، وهي : المسألة الرابعة : قال مالك : وبه أقول .

وقد قال أبو حنيفة : لا يعطي القرابة إلا أن يكونوا فقراء : فزاد الفقر على النص ، والزيادة عنده على النص نسخ ، ولا يجوز نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر .

فأما مالك فاحتج بأن ذلك جعل لهم عوضا عن الصدقة .

وقد قال عمر بن عبد العزيز قوله : { فأن لله خمسه وللرسول } يعني في سبيل الله .

وهذا هو الصحيح كله .

والدليل عليه ما روي في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد ، فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا } .

وثبت عنه عليه السلام أنه قال في أسارى بدر : { لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له } .

وثبت عنه أنه رد سبي هوازن وفيه الخمس .

[ ص: 404 ] وثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : { آثر النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أناسا في الغنيمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مائة من الإبل ، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل : والله إن هذه القسمة ما عدل فيها ، أو ما أريد بها وجه الله . فقلت : والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم . فأخبرته ، فقال : يرحم الله أخي موسى ، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر } .

وفي الصحيح : { إنما أنا قاسم ، بعثت أن أقسم بينكم فالله حاكم ، والنبي قاسم ، والحق للخلق } .

وصح عن { علي رضي الله عنه أنه قال : كان لي شارف من نصيبي يوم بدر ، وأعطاني رسول الله شارفا من الخمس } .

وروى مسلم وغيره ، عن عبد المطلب بن ربيعة قال : { اجتمع ربيعة بن الحارث ، والعباس بن عبد المطلب ، فقالا : والله لو بعثنا هذين فقالا لي ، وللفضل بن عباس : اذهبا إلى رسول الله فكلماه يؤمنكما على هذه الصدقة ، فأديا ما يؤدي الناس ، بشراء مما يصيب الناس ، فبينما هما في ذلك إذ دخل علي بن أبي طالب ، فوقف عليهما ، فذكرا ذلك له ، فقال علي : لا تفعلا ، فوالله ما هو بفاعل . فابتدأه ربيعة بن الحارث فقال : والله ما هذا إلا نفاسة منك علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله فما نفسناه عليك . فقال علي : أنا أبو حسن القوم أرسلوهما ، فانطلقا ، واضطجع علي ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة ، فقمنا عندها حتى جاء ، فأخذ بآذاننا ، ثم قال : أخرجا ما تصرران ثم دخل ، ودخلنا عليه ، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال : فتزايلنا الكلام ، ثم تكلم أحدنا ، فقال : يا رسول الله ; أنت أبر الناس [ ص: 405 ] بشراء الناس ، وقد بلغنا النكاح ، فجئناك لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات ، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ، ونصيب كما يصيبون . قال : فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه . قال : وجعلت زينب يزال إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه . ثم قال : إن الصدقة لا تحل لآل محمد ; إنما هي أوساخ الناس ، ادعوا لي محمية وكان على الخمس ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب . قال : فجاءاه . فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن عباس يعني لي ، فأنكحه . وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام بنتك يعني لي ، فأنكحني . وقال لمحمية : أصدق عنهما من مال الخمس كذا وكذا . } وفي رواية أنه قال لهما : { إن الصدقة أوساخ الناس ، ولكن انظروا إذا أخذت بحلقة الجنة ، هل أوثر عليكم أحدا ؟ }

وقد قال أصحاب الشافعي : خمس الخمس للرسول ، والأربعة أخماس من الخمس للأربعة أصناف المسمين معه ، وله سهم كسائر سهام الغانمين إذا حضر الغنيمة ، وله سهم الصفي يصطفي سيفا أو خادما أو دابة .

فأما سهم القتال فبكونه أشرف المقاتلين ، وأما سهم الصفي فمنصوص له في السير ، منه ذو الفقار ، وصفية ، وغير ذلك .

وأما خمس الخمس فبحق التقسيم في الآية .

قال الإمام الفاضل أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : قد بينا الرد عليه ، وأوضحنا أن الله إنما ذكر نفسه تشريفا لهذا المكتسب ، وأما رسوله فقد قال : { إنما أنا قاسم ، والله المعطي } .

وقال : { ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم } [ ص: 406 ] وقد أعطى جميعه وبعضه ، وأعطى منه للمؤلفة قلوبهم ، وليسوا ممن ذكر الله في التقسيم ، ورده على المجاهدين بأعيانهم تارة أخرى ; فدل على أن ذكر هذه الأقسام بيان مصرف ومحل ، لا بيان استحقاق وملك ; وهذا ما لا جواب عنه لمنصف .

وأما الصفي فحق في حياته ، وقد انقطع بعد موته إلا عند أبي ثور ، فإنه رآه باقيا للإمام ، فجعله مجعل سهم النبي ، وهذا ضعيف ; والحكمة فيه أن الجاهلية كانوا يرون للرئيس في الغنيمة ما قال الشاعر :

لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول

فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة ; ويصطفي منها ، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء أراد ، وكان ما شذ منها له ، وما فضل من خرثي ومتاع ; فأحكم الله الدين بقوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } وأبقى سهم الصفي لرسوله ، وأسقط حكم الجاهلية ، ومن أحسن من الله حكما أو أوسع منه علما .

المسألة الخامسة : ادعى المقصرون من أصحاب الشافعي أن خمس الخمس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه : في كفاية أولاده ونسائه ، ويدخر من ذلك قوت سنته ، ويصرف الباقي إلى الكراع والسلاح ; وهذا فاسد من وجهين : أحدهما أن الدليل قد تقدم على أن الخمس كله لرسوله بقوله صلى الله عليه وسلم : { ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم } .

الثاني : ما ثبت في الصحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : قال : بينا أنا جالس عند عمر أتاه حاجبه يرفأ ، فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف [ ص: 407 ] والزبير ، وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ؟ قال : نعم . فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا وجلسوا ، ثم جلس يرفأ يسيرا ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم ، فأذن لهما فدخلا فسلما وجلسا ، فقال العباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا ، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير . فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما ، وأرح أحدهما من الآخر . فقال عمر : يا تيد ، كم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا نورث ما تركنا صدقة ؟ } يريد رسول الله نفسه . قال الرهط : قد قال ذلك . فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : نعم . قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر : إن الله قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره ، قال : { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } . فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والله ما اختارها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد أعطاكموها ، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي ، فيجعله مجعل مال الله .

فهذا حديث مالك بن أوس قال فيه : إن بني النضير كانت لرسول الله ينفق منها على أهله نفقة سنتهم .

وفي حديث عائشة في الصحيح : { ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك وصدقته بالمدينة } ; فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس . وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرها إلى من ولي الأمر بعده .

فقد ثبت أن خيبر وفدك وبني النضير كانت لقوت رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وعياله [ ص: 408 ] سنة ، ولحقوقه ونوائبه التي تعروه ، لا خمس الخمس الذي ادعاه أصحاب الشافعي .

وهذا نص لا غبار عليه ولا كلام لأحد فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية