صفحة جزء
المسألة الثانية : قوله : { واذكروا الله } فيه ثلاث احتمالات : الأول : اذكروا الله عند جزع قلوبكم ; فإن ذكره يثبت .

الثاني : اثبتوا بقلوبكم واذكروه بألسنتكم ; فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ، ويضطرب اللسان ; فأمر بذكر الله حتى يثبت القلب على اليقين ، ويثبت اللسان على الذكر .

الثالث : اذكروا ما عندكم من وعد الله [ لكم ] في ابتياعه أنفسكم منكم ومثامنته لكم .

وكلها مراد ، وأقواها وأوسطها ; فإن ذلك إنما يكون عن قوة المعرفة ، ونفاذ القريحة ، واتقاد البصيرة ، وهي الشجاعة المحمودة في الناس ، ولم يكن فيها أحد أقوى من الصديق رضي الله عنه فإنه كان أشجع الخليقة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمضاهم عزيمة ، وأنفذهم قريحة ، وأنورهم بصيرة ، وأصدقهم فراسة ، وأصحهم رأيا ، وأثبتهم [ جأشا ] ، وأصفاهم إيمانا ، وأشرحهم صدرا ، وأسلمهم قلبا .

[ ص: 415 ] والدليل عليه ظهور ذلك المقام في مقامات ستة : المقام الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ، ولم تكن مصيبة أعظم منها ، ولا تكون أبدا عنها تفرعت مصائبنا ، ومن أجلها فسدت أحوالنا ، فاختلفت الصحابة ; فأما علي فاستخفى . وأما عثمان فبهت .

وأما عمر فاختلط ، وقال : " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما واعده الله كما واعد موسى ، وليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم " وكان أبو بكر غائبا بمنزله بالسنح ، فجاء فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، وهو ميت مسجى بثوبه ، فكشف عن وجهه ، وقال : " بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها " . وخرج فصعد المنبر ; فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " ثم قرأ : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } .

المقام الثاني : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف الناس أين يدفن ; فقال القوم : يدفن بمكة .

وقال آخرون : ببيت المقدس .

وقال آخرون : بالمدينة .

فقال أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما دفن قط نبي إلا حيث يموت } .

المقام الثالث : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر الصديق تقول له : لو مت ألم تكن ابنتك ترثك ؟ قال : نعم . قالت له : فأعطني ميراثي من رسول الله . فقال أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا نورث ، ما تركناه صدقة } .

فتذكر ذلك جميع الصحابة ، وعلمه عمر وعثمان وعبد الرحمن وطلحة وسعد وسعيد ، وأقر به علي والعباس .

[ ص: 416 ] المقام الرابع : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد العرب ، وانقاض الإسلام ، وتزلزلت الأفئدة ، وماج الناس ; فارتاع الصحابة ; فقال عمر وغيره لأبي بكر : خذ منهم الصلاة ، ودع الزكاة حتى يتمكن الدين ، ويسكن جأش المسلمين . فقال أبو بكر : " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه " .

المقام الخامس : قالت الصحابة له : يا خليفة رسول الله ; أبق جيش أسامة ; فإن من حولك قد اختلف عليه ، " والله لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم " . فقالوا له : فمع من تقاتلهم ؟ قال : وحدي حتى تنفرد سالفتي .

المقام السادس : وهو ضنك الحال ومأزق الاختلال ; وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي اضطرب الأمر ، وماج الناس ، ومرج قولهم ، وتشوفوا إلى رأس يرجع إليه تدبيرهم ، واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، ولهم الهجرة ، وفيهم الدوحة ، والمهاجرون عليهم نزل ، وانتدب الشيطان ليزيغ قلوب فريق منهم ، فسول للأنصار أن يعقدوا لرجل منهم الأمر ; فجاء المهاجرون . فاجتمعوا إلى أبي بكر ، وقالوا : نرسل إليهم . قال أبو بكر : " لا ، ألا نأتيهم في موضعهم " ، فنوزع في ذلك ، فصرم وتقدم واتبعته المهاجرون حتى جاء الأنصار في مكانهم ، وتقاولوا ، فقالت الأنصار في كلامها : منا أمير ومنكم أمير ، فتصدر أبو بكر بحقه ، وتكلم على مقتضى الدين ووفقه ، وقال : " يا معشر الأنصار ; قد علمتم أنا رهط رسول الله وعترته الأدنون ، وأصل العرب ، وقطب الناس . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { الأئمة من قريش إلى أن تقوم الساعة } . [ ص: 417 ] وقد سمانا الله في كتابه الصادقين حين قال : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } . وسماكم المفلحين ، فقال : { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } . وأمركم الله أن تكونوا معنا حيث كنا ، فقال : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } . وقال لكم النبي { سترون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض } . وقال لنا في آخر خطبة خطبها : { أوصيكم بالأنصار خيرا أن تقبلوا من محسنهم ، وتتجاوزوا عن مسيئهم ; ولو كان لكم في الأمر شيء ما رأيتم أثرة ، ولا وصى بكم } . فلما سمعوا ذلك من علمه ، ووعوه من قوله تذكروا الحق ; فانقادوا له ، والتزموا حكمه ; فبادر عمر إلى أبي عبيدة ، وقال له : يا أبا عبيدة ; امدد يدك أبايعك . فقال أبو عبيدة : ما سمعت منك تهة في الإسلام قبلها ، أتبايعني وأبو بكر فيكم ؟ فقال له عمر : امدد يدك أبايعك يا أبا بكر . فمد أبو بكر يده وبايعه ، وبايعه الناس ، وصار الحق في نصابه ، ودخل الدين من بابه .

[ ص: 418 ] ولو هدوا لهذه الفرقة الأدبية التاريخية لما كانوا عن سبيل الحق جائرين وبحقيقته جاهلين ، ولكن الله ابتلاهم بقراءة كتب من الأدب والتاريخ قد تولاها جهال وضلال ، فقالوا : فعل علي .

وقال علي ، ولا يقع علي من أبي بكر إلا نقطة من بحر ، أو لقطة في قفر ، لقد استقام الدين وعلي عنه في حجر ، وقد كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد رجاله ، وفارسا من فرسانه ، ووليا من أوليائه ، وقريبا من أقربائه ، فلما استأثر الله برسوله ، وانفرد بنفسه لم يقم بالأمر ولا قعد ، وذلك أمر قضاه الله بالحق ، وقدره بالصدق ، وأنفذه بالحكمة والحكم ، وما وجد المسلمون أحدا ثبت على الدين ، وقرر ولاته في الأقطار ، وأنفذ الجيوش إلى الأمصار ، وقاتل على الحق ، وقدم عليهم غير خير الخلق الصديق ; فمهد الدين ، واستتب به أمر المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

التالي السابق


الخدمات العلمية