صفحة جزء
المسألة السابعة : [ متعلق المسروق ] : فهو كل مال تمتد إليه الأطماع ، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به ، فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلق الطماعية فيه ، ولا يتصور الانتفاع منه ، كالخمر والخنزير مثلا . وقد كان ظاهر الآية يقتضي قطع سارق القليل والكثير ; لإطلاق الاسم عليه وتصور المعنى فيه . وقد قال به قوم منهم ابن الزبير ، فإنه يروى أنه قطع في درهم .

ولو صح ذلك عنه لم يلتفت إليه ; لأنه كان ذا شواذ ، ولا يستريب اللبيب ، بل يقطع المنصف أن سرقة التافه لغو ، وسرقة الكثير قدرا أو صفة محسوب ، والعقل لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده ، فتولى الشرع تحديده بربع دينار

. وفي الصحيح ، عن عائشة : " ما طال علي ولا نسيت : القطع في ربع دينار فصاعدا " . وهذا نص . وقال أبو حنيفة : لا قطع في أقل من عشرة دراهم ، وروى أصحابه في ذلك حديثا قد بينا ضعفه في مسائل الخلاف وشرح الحديث . [ ص: 108 ] فإن قيل : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده } قلنا : هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل عن الكثير في قوله صلى الله عليه وسلم : { من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة } . [ ص: 109 ]

وقيل : إن هذا مجاز من وجه آخر ; وذلك أنه إذا ظفر بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده ; فبهذا تنتظم الأحاديث ، ويجتمع المعنى والنص في نظام الصواب . المسألة الثامنة : ومنه كل مال يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه ; لأنه يباع ويبتاع وتمتد إليه الأطماع ، وتبذل فيه نفائس الأموال . وشبهة أبي حنيفة ما يئول إليه من التغير والفساد ، ولو اعتبر ذلك فيه لما لزم الضمان لمتلفه .

المسألة التاسعة : ومنه كل ما كان أصله على الإباحة ; كجواهر الأرض ومعادنها ، وشبه ذلك ; لأنه كان مباح الأصل ، ثم طرأ عليه الملك ، فتنتصب إباحة أصله شبهة في إسقاط القطع بسرقته . قلنا : لا تضر إباحة متقدمة إذا طرأ التحريم ، كالجارية المشتركة بين قوم ، فإن وطأها حرام يوجب الحد عند خلوصها لأحدهم ، ولا توجب الإباحة المتقدمة شبهة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا قطع في ثمر ولا كثر إلا ما أواه الجرين } . رواه قليله وأبو داود . وانفرد قليله : { ولا في حريسة جبل إلا فيما أواه المراح } . المسألة العاشرة : ومنه ما إذا سرق حرا صغيرا . قال مالك : عليه القطع . وقيل : لا قطع عليه ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ; لأنه ليس بمال . قلنا : هو أعظم من المال ; ولم يقطع السارق في المال لعينه ، وإنما قطع لتعلق النفوس به ، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد .

التالي السابق


الخدمات العلمية