صفحة جزء
1192 - ( وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر بما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى } رواه أحمد والبخاري ) .


قوله : ( ويتطهر بما استطاع من طهر ) في رواية الكشميهني " من طهره " والمراد المبالغة في التنظيف ، ويؤخذ من عطفه على ( يغتسل ) أن إفاضة الماء تكفي في حصول الغسل . قال في الفتح : المراد بالغسل غسل الجسد ، بالتطهر غسل الرأس قوله : [ ص: 280 ] ويدهن ) المراد به إزالة شعث الشعر به وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة قوله : ( أو يمس من طيب بيته ) أي إن لم يجد دهنا . قال الحافظ : ويحتمل أن يكون أو بمعنى الواو ، وإضافته إلى البيت تؤذن بأن السنة أن يتخذ المرء لنفسه طيبا ويجعل استعماله له عادة فيدخره في البيت ، وهذا مبني على أن المراد بالبيت حقيقته لكن في حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود " أو يمس من طيب امرأته " والمعنى على هذا أن من لم يتخذ لنفسه طيبا فليستعمل من طيب امرأته .

وعند مسلم من حديث أبي سعيد بلفظ " ولو من طيب المرأة " وفيه أن المراد بالبيت في الحديث امرأة الرجل قوله : ( ثم يروح إلى المسجد ) في رواية للبخاري " ثم يخرج " وفي رواية لأحمد " ثم يمشي وعليه السكينة " زاد ابن خزيمة " إلى المسجد " . قوله : ( ولا يفرق بين اثنين ) وفي حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد " ثم لم يتخط رقاب الناس " وفي حديث أبي الدرداء " ولم يتخط أحدا ولم يؤذه " وفيه كراهة التفريق وتخطي الرقاب وأذية المصلين .

قال الشافعي : أكره التخطي إلا لمن لم يجد السبيل إلى المصلى إلا بذلك انتهى . قال في الفتح : وهذا يدخل فيه الإمام ، ومن يريد وصل الصف المنقطع إن أبى السابق من ذلك ، ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة . واستثنى المتولي من الشافعية من يكون معظما لدينه وعلمه إذا ألف مكانا يجلس فيه ، وهو تخصيص بدون مخصص .

ويمكن أن يستدل لذلك بحديث { ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى } إذا كان المقصود من التخطي هو الوصول إلى الصف الذي يلي الإمام في حق من كان كذلك . وكان مالك يقول : لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على المنبر ولا دليل على ذلك ، وسيأتي بقية الكلام على التخطي في باب : الرجل أحق بمجلسه قوله : ( ثم يصلي ما كتب له ) في حديث أبي الدرداء " ثم يركع ما قضي له " .

وفيه استحباب الصلاة قبل استماع الخطبة وسيأتي .

قوله : ( ثم ينصت للإمام إذا تكلم ) فيه أن من تكلم حال تكلم الإمام لم يحصل له من الأجر ما في الحديث ، وسيأتي الكلام على ذلك قوله : ( غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى ) في رواية " ما بينه وبين الجمعة الأخرى " وفي رواية " ذنوب ما بينه وبين الجمعة والأخرى " والمراد بالأخرى : التي مضت ، بينه الليث عن ابن عجلان في روايته عند ابن خزيمة ، ولفظه " غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها " ولابن حبان " غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها " وزاد ابن ماجه عن أبي هريرة " ما لم يغش الكبائر " ونحو ذلك لمسلم .

وظاهر الحديث أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما ذكر في الحديث من الغسل والتنظيف والتطيب أو الدهن وترك التفرقة والتخطي والأذية والتنفل والإنصات ، وكذلك لبس أحسن الثياب كما وقع في بعض الروايات ، [ ص: 281 ] والمشي بالسكينة كما وقع في أخرى ، وترك الكبائر كما في رواية أيضا .

قال المصنف رحمه الله تعالىبعد أن ساق حديث الباب : وفيه دليل على جواز الكلام قبل تكلم الإمام انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية