صفحة جزء
باب المنع من الكلام والإمام يخطب والرخصة في تكلمه وتكليمه لمصلحة وفي الكلام قبل أخذه في الخطبة وبعد إتمامها

1250 - ( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت ، والإمام يخطب فقد لغوت } رواه الجماعة إلا ابن ماجه ) .

1251 - ( وعن علي رضي الله تعالى عنهفي حديث له قال : { من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر ، ومن قال : صه ، فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له ، ثم قال : هكذا سمعت نبيكم عليه السلام } رواه أحمد وأبو داود ) .

1252 - ( وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من تكلم يوم الجمعة [ ص: 323 ] والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، ليس له جمعة } رواه أحمد ) .

1253 - ( وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال { : جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما على المنبر فخطب الناس وتلا آية ، وإلى جنبي أبي بن كعب ، فقلت له : يا أبي متى أنزلت هذه الآية ؟ فأبى أن يكلمني ، ثم سألته فأبى أن يكلمني ، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : أبي ، ما لك من جمعتك إلا ما لغيت . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته ، فقال : صدق أبي ، فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ } رواه أحمد ) .


حديث علي في إسناده رجل مجهول ، لأن عطاء الخراساني رواه عن مولى امرأته أم عثمان قالت : " سمعت عليا " الحديث . وعطاء الخراساني وثقه يحيى بن معين وأثنى عليه ، وتكلم فيه ابن حبان ، وكذبه سعيد بن المسيب .

وحديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف والبزار في مسنده والطبراني في الكبير ، وفي إسناده مجالد بن سعيد ، وقد ضعفه الجمهور وقال الحافظ في بلوغ المرام : لا بأس بإسناده .

وحديث أبي الدرداء أخرجه أيضا الطبراني من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء .

وروي أيضا من رواية عبد الله بن سعد عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء قال في مجمع الزوائد : ورجال أحمد ثقات . ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر قال : { دخل ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى جنبه أبي } فذكر نحو حديث أبي الدرداء قال العراقي : ورجاله ثقات . ويشهد له أيضا ما رواه الطبراني عن أبي ذر بنحو حديث أبي الدرداء المذكور في الباب .

وعن ابن أبي أوفى عند ابن أبي شيبة في المصنف قال : { ثلاث من سلم منهن غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى : من أن يحدث حدثا ، يعني أذى ، أو أن يتكلم ، أو أن يقول : صه } قال العراقي : ورجاله ثقات . قال : وهذا وإن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي فحكمه الرفع كما قاله ابن عبد البر وغيره فيما كان من هذا القبيل .

ولابن أبي أوفى حديث آخر مرفوع عند النسائي قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة } . وعن جابر عند ابن أبي شيبة أيضا في المصنف قال : { قال سعد لرجل يوم الجمعة : لا جمعة لك ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لم يا سعد ؟ قال : إنه يتكلم وأنت تخطب ، قال : صدق سعد يعني ابن أبي وقاص } ورواه أيضا أبو يعلى والبزار ، وفي إسناده مجالد بن [ ص: 324 ] سعيد وهو ضعيف عند الجمهور كما تقدم .

وعن عبد الله بن عمر عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يحضر الجمعة ثلاثة نفر : فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها ، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام } قال العراقي : وإسناده جيد .

وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير قال : { كفى لغوا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك : أنصت } قال العراقي : ورجاله ثقات محتج بهم في الصحيح . قال : وهو وإن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي فحكمه الرفع . قوله : ( أنصت ) قال الأزهري : يقال أنصت ونصت وانتصت . قال ابن خزيمة : والمراد بالإنصات : السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله تعالى .

، وتعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة ، والظاهر أن المراد السكوت مطلقا ، قاله في الفتح ، وهو ظاهر الأحاديث ، فلا يجوز من الكلام إلا ما خصه دليل كصلاة التحية ، نعم الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره يعم جميع الأوقات ، والنهي عن الكلام حال الخطبة يعم كل كلام ، فيتعارض العمومان ولكنه يرجح مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره حال الخطبة ما سيأتي في تفسير اللغو من اختصاصه بالكلام الباطل الذي لا أصل له ، لولا ما سيأتي من الأدلة القاضية بالتعميم قوله : ( والإمام يخطب ) فيه دليل على اختصاص النهي بحال الخطبة ، ورد على من أوجب الإنصات من خروج الإمام .

وكذلك قوله : ( يوم الجمعة ) ظاهره أن الإنصات في خطبة غير يوم الجمعة لا يجب . قوله : ( فقد لغوت ) قال في الفتح : قال الأخفش .

اللغو : الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه . وقال ابن عرفة : اللغو : السقط من القول ، وقيل : الميل عن الصواب . وقيل : اللغو : الإثم ، لقوله تعالى { وإذا مروا باللغو مروا كراما } . وقال الزين بن المنير : اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام . وأغرب أبو عبيد الهروي في الغريب فقال : معنى لغا : تكلم ، والصواب : التقييد . وقال النضر بن شميل : معنى لغوت : خبت من الأجر . وقيل : بطلت فضيلة جمعتك . وقيل : صارت جمعتك ظهرا . قلت : أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى انتهى كلام الفتح .

وفي القاموس : اللغو : السقط وما لا يعتد به من كلام أو غيره انتهى .

ويؤيد قول من قال : إن اللغو صيرورة الجمعة ظهرا ، ما عند أبي داود وابن خزيمة من حديث ابن عمرو بن العاص مرفوعا بلفظ : { من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا } قوله : ( فلا جمعة له ) قال العلماء : معناه : لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه قوله : فهو { كمثل الحمار يحمل أسفارا } شبه من لم يمسك عن الكلام بالحمار الحامل للأسفار [ ص: 325 ] بجامع عدم الانتفاع .

وظاهر قوله " من تكلم يوم الجمعة " ، المنع من جميع أنواع الكلام من غير فرق بين ما لا فائدة فيه وغيره . ومثله حديث جابر الذي تقدم ، وكذلك حديث أبي لإطلاق الكلام فيهما . ويؤيده أنه إذا جعل قوله : " أنصت " مع كونه أمرا بمعروف لغوا ، فغيره من الكلام أولى بأن يسمى لغوا . وقد وقع عند أحمد بعد قوله : " فقد لغوت عليك بنفسك " ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من تسمية السؤال عن نزول الآية لغوا .

وقد ذهب إلى تحريم كل كلام حال الخطبة الجمهور ولكن قيد ذلك بعضهم بالسامع للخطبة ، والأكثر لم يقيدوا . قالوا : وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة . قال الحافظ : وأغرب ابن عبد البر ، فنقل الإجماع على وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها إلا عن قليل من التابعين منهم الشعبي . وتعقبه بأن للشافعي قولين ، وكذلك لأحمد .

وروي عنهما أيضا التفرقة بين من سمع الخطبة ، ومن لم يسمعها ، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة فيجب عليهم الإنصات ، وبين من زاد عليهم فلا يجب . وقد حكى المهدي في البحر عن القاسم وابنه محمد بن القاسم والمرتضى ومحمد بن الحسن أنه يجوز الكلام الخفيف حال الخطبة .

، واستدلوا على ذلك بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة ، ولمن سأله في الاستسقاء ، ورد بأن الدليل أخص من الدعوى ، وغاية ما فيه أن يكون عموم الأمر بالإنصات مخصصا بالسؤال . ونقل صاحب المغني الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة كتحذير الضرير من البئر ونحوه . وخصص بعضهم رد السلام وهو أعم من أحاديث الباب من وجه ، وأخص من وجه ، فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم ، ومثله تشميت العاطس .

وقد حكى الترمذي عن أحمد وإسحاق الترخيص في رد السلام وتشميت العاطس . وحكى عن الشافعي خلاف ذلك . وحكى ابن العربي عن الشافعي موافقة أحمد وإسحاق . قال العراقي : وهو أولى مما نقله عنه الترمذي . وقد صرح الشافعي في مختصر البويطي بالجواز فقال : ولو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه ، لأن التشميت سنة ، ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك له ورأيت أن يرد عليه السلام ، لأن السلام سنة ورده فرض ، هذا لفظه .

وقال النووي في شرح المهذب : إنه الأصح . قال في الفتح : وقد استثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلام لم يشرع في الخطبة مثل الدعاء للسلطان مثلا ، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه . وقال النووي : محله إذا جاوز ، وإلا فالدعاء لولاة الأمر مطلوب .

قال الحافظ : ومحل الترك إذا لم يخف الضرر ، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه قوله : ( إلا ما لغيت ) بفتح اللام وكسر الغين المعجمة لغة في لغوت .

التالي السابق


الخدمات العلمية