صفحة جزء
باب التجمل للعيد وكراهة حمل السلاح فيه إلا لحاجة

1270 - ( عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { وجد عمر حلة من إستبرق تباع في السوق ، فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد ، فقال : إنما هذه لباس من لا خلاق له } متفق عليه ) .

1271 - ( وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهما: { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برد حبرة في كل عيد } رواه الشافعي ) .

1272 - ( وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه ، فلزقت قدمه بالركاب ، فنزلت فنزعتها وذلك بمنى ، فبلغ الحجاج فجاء يعوده ، فقال الحجاج : لو نعلم من أصابك ؟ فقال ابن عمر : أنت أصبتني ، قال : وكيف ؟ قال : حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه ، وأدخلت السلاح الحرم ، ولم يكن السلاح يدخل الحرم رواه البخاري وقال : قال الحسن : نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدوا ) .


حديث جعفر بن محمد رواه الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد عن جعفر ، [ ص: 338 ] وإبراهيم بن محمد المذكور لا يحتج بما تفرد به ، ولكنه قد تابعه سعيد بن الصلت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس به ، كذا أخرجه الطبراني . قال الحافظ : فظهر أن إبراهيم لم يتفرد به ، وأن رواية إبراهيم مرسلة .

وفي الباب عن جابر عند ابن خزيمة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر في العيدين وفي الجمعة } قوله : ( من استبرق ) في رواية للبخاري " رأى حلة سيراء "

والإستبرق : ما غلظ من الديباج ، والسيراء قد تقدم الكلام عليه في اللباس قوله : ( ابتع هذا فتجمل ) في رواية للبخاري " ابتع هذه تجمل بها " وفي رواية " ابتع هذه وتجمل " قوله : ( للعيد والوفد ) في لفظ للبخاري " للجمعة " مكان العيد

قال الحافظ : وكلاهما صحيح ، وكأن ابن عمر ذكرهما معا فاقتصر كل راو على أحدهما قوله : ( إنما هذه لباس من لا خلاق له ) الخلاق : النصيب ، وفيه دليل على تحريم لبس الحرير ، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك في اللباس .

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للعيد تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد ، وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرا

وقال الداودي : ليس في الحديث دلالة على ذلك . وأجاب ابن بطال بأنه كان معهودا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه للجمعة ، وتبعه ابن التين ، والاستدلال بالتقرير أولى كما تقدم قوله : ( برد حبرة ) كعنبة : ضرب من برود اليمن كما في القاموس قوله : ( أخمص قدمه ) الأخمص بإسكان الخاء المعجمة وفتح الميم بعدها صاد مهملة : باطن القدم وما رق من أسفلها . وقيل : هو ما لا تصيبه الأرض عند المشي من باطنها

قوله : ( بالركاب أي وهي في راحلته ) قوله : ( فنزعتها ) ذكر الضمير مؤنثا مع أنه أعاده على السنان وهو مذكر ; لأنه أراد الحديدة ، ويحتمل أنه أراد القدم .

قوله : ( فبلغ الحجاج ) أي ابن يوسف الثقفي وكان إذ ذاك أميرا على الحجاز ، وذلك بعد قتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين . قوله : ( فجاء يعوده ) في رواية للبخاري " فجعل يعوده " وفي رواية الإسماعيلي " فأتاه " قوله : ( لو نعلم ) لو للتمني ، ويحتمل أن تكون شرطية ، والجواب محذوف لدلالة السياق عليه ، ويرجح ذلك ما أخرجه ابن سعد بلفظ : " لو نعلم من أصابك عاقبناه " ، وله من وجه آخر : " لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه "

قوله : ( أنت أصبتني ) نسبة الفعل إلى الحجاج لكونه سببا فيه .

وحكى الزبير في الأنساب أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه ، وأمر رجلا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة ، فلصق ذلك الرجل به ، فأمر الحربة على قدمه فمرض منها أياما ثم مات ، وذلك في سنة أربع وسبعين ، وقد ساق هذه القصة في الفتح ولم يتعقبها ، وصدور مثلها غير بعيد من الحجاج فإنه صاحب الأفاعيل التي تبكي لها عيون الإسلام وأهله .

قوله : ( حملت السلاح ) أي [ ص: 339 ] فتبعك أصحابك في حمله .

قوله : ( في يوم لم يكن يحمل فيه ) هذا محل الدليل على كراهة حمل السلاح يوم العيد ، وهو مبني على أن قول الصحابي كان يفعل كذا على البناء للمجهول له حكم الرفع ، وفيه خلاف معروف في الأصول . قوله : ( قال الحسن نهوا أن يحملوا السلاح ) قال الحافظ : لم أقف عليه موصولا ، إلا أن ابن المنذر قد ذكر نحوه عن الحسن ، وفيه تقييد لإطلاق قول ابن عمر إنه لا يحمل ، وقد ورد مثله مرفوعا مقيدا وغير مقيد ، فروى عبد الرزاق بإسناد مرسل قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج بالسلاح يوم العيد } .

وروى ابن ماجه بإسناد ضعيف عن ابن عباس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس السلاح في بلاد الإسلام في العيدين إلا أن يكون بحضرة العدو } .

وهذا كله في العيدين ، فأما الحرم ، فروى مسلم عن جابر قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل السلاح بمكة } وسيأتي الجمع بينه وبين أحاديث دخوله صلى الله عليه وسلم مكة بالسلاح في باب : المحرم يتقلد بالسيف من كتاب الحج .

التالي السابق


الخدمات العلمية