صفحة جزء
[ ص: 376 ] كتاب صلاة الخوف .

باب الأنواع المروية في صفتها

1310 - ( عن صالح بن خوات { عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع أن الطائفة صفت معه ، وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما ، فأتموا ; لأنفسهم ، ثم انصرفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته فأتموا ; لأنفسهم فسلم بهم } رواه الجماعة إلا ابن ماجه .

وفي رواية للجماعة عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الصفة ) .


قوله : ( عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ) قيل : هو سهل بن أبي حثمة كما وقع في الرواية الأخرى . وقد أخرج البيهقي وابن منده في المعرفة الحديث عن صالح بن خوات عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يكون هو المبهم قوله : ( يوم ذات الرقاع ) هي غزوة نجد لقي بها النبي صلى الله عليه وسلم جمعا من غطفان فتوقفوا ولم يكن بينهم قتال ، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف ، وسميت ذات الرقاع ; لأنها نقبت أقدامهم فلفوا على أرجلهم الخرق .

وقيل : إن ذلك المحل الذي غزوا إليه حجارة مختلفة الألوان كالرقاع المختلفة . والحديث يدل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الإمام في الثنائية بطائفة ركعة ، ثم ينتظر حتى يتموا ; لأنفسهم ركعة ويذهبوا فيقوموا وجاه العدو ، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلون معه الركعة الثانية ، ثم ينتظر حتى يتموا ; لأنفسهم ركعة ويسلم بهم .

وقد حكي في البحر أن هذه الصفة لصلاة الخوف قال بها علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وسهل بن أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو العباس . قال النووي : وبها أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم انتهى . وقد أخذ بكل نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أهل العلم كما سيأتي ، والحق الذي لا محيص عنه أنها جائزة على كل نوع من الأنواع الثابتة .

وقد قال أحمد بن حنبل : لا أعلم في هذا الباب حديثا إلا صحيحا ، فلا وجه للأخذ ببعض ما صح دون بعض ، إذ لا شك أن الأخذ بأحدها فقط تحكم محض . وقد اختلف في عدد الأنواع الواردة في صلاة [ ص: 377 ] الخوف . فقال ابن القصار المالكي : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواطن . وقال النووي : إنه يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجها كلها جائزة .

وقال الخطابي : صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة ، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى .

وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه . وكذا ابن حبان وزاد تاسعا . وقال ابن حزم : صح فيها أربعة عشر وجها وبينها في جزء مفرد .

وقال ابن العربي : فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها ، وقد بينها العراقي في شرح الترمذي وزاد وجها آخر فصارت سبعة عشر وجها . وقال في الهدي : أصولها ست صفات ، وأبلغها بعضهم أكثر . وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها فصارت سبعة عشر ، لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من اختلاف الرواة . قال الحافظ : وهذا هو المعتمد .

وقال ابن العربي أيضا : صلاها النبي صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين مرة . وقال أحمد : ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة ، أيها فعل المرء جاز ، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة ، وكذا رجحه الشافعي ولم يختر إسحاق شيئا على شيء ، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر .

وقال النووي : ومذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت ، إلا أبا يوسف والمزني فقالا : لا تشرع بعد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ، وقال بقولهما الحسن بن زياد واللؤلئي من أصحابه وإبراهيم بن علية كما في الفتح واستدلوا بمفهوم قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } وأجاب الجمهور عن ذلك بأن شرط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده . والتقدير : بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قال ابن العربي وغيره .

وقال ابن المنير : الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى { أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } وقال الطحاوي : كان أبو يوسف قد قال مرة : لا تصلى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزعم أن الناس إنما صلوها معه صلى الله عليه وسلم لفضل الصلاة معه . قال وهذا القول عندنا ليس بشيء . ا هـ .

وأيضا الأصل تساوي الأمة في الأحكام المشروعة فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل ، واحتج عليهم الجمهور بإجماع الصحابة على فعل هذه الصلاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : { صلوا كما رأيتموني أصلي } وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم .

وقد اختلف في صلاة الخوف في الحضر ، فمنع من ذلك ابن الماجشون والهادوية وأجازه الباقون احتج الأولون بقوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ورد بما تقدم في أبواب صلاة المسافر ، واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا في سفر . ورد بأن اعتبار [ ص: 378 ] السفر وصف طردي ليس بشرط ولا سبب ، وإلا لزم أن لا يصلي إلا عند الخوف من العدو الكافر . وأما الاحتجاج بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق وفات عليه العصران وقضاهما بعد المغرب ، ولو كانت جائزة في الحضر لفعلها .

فيجاب عنه بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي وقد تقدم الكلام على هذا في باب الترتيب في قضاء الفوائت .

التالي السابق


الخدمات العلمية