صفحة جزء
[ ص: 81 ] باب موقف الإمام من الرجل والمرأة وكيف يصنع إذا اجتمعت أنواع

1435 - ( عن سمرة قال { : صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وسطها . } رواه الجماعة ) .

1436 - ( وعن أبي غالب الحناط قال { : شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها ، وفينا العلاء بن زياد العلوي ; فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال : يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت ، ومن المرأة حيث قمت ؟ قال : نعم . } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود ، وفي لفظه : فقال العلاء بن زياد : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل ، وعجيزة المرأة ؟ قال : نعم ) .


الحديث الثاني حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ، ورجال إسناده ثقات . قوله : ( وسطها ) بسكون السين ، وفيه دليل على أن المصلي على المرأة الميتة يستقبل وسطها . ولا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله في حديث أنس : " وعجيزة المرأة " ; لأن العجيزة يقال لها : وسط ; وأما الرجل فالمشروع أن يقف الإمام حذاء رأسه لحديث أنس المذكور ، ولم يصب من استدل بحديث سمرة على أنه يقام حذاء وسط الرجل والمرأة وقال : إنه نص في المرأة ، ويقاس عليها الرجل ; لأن هذا قياس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار ، ولا سيما مع تصريح من سأل أنسا بالفرق بين الرجل والمرأة ، وجوابه عليه بقوله : نعم ، وإلى ما يقتضيه هذان الحديثان من القيام عند رأس الرجل ووسط المرأة ذهب الشافعي وهو الحق . وقال أبو حنيفة : حذاء صدرهما ، وفي رواية : " حذاء وسطهما " وقال مالك : حذاء الرأس منهما . وقال الهادي : حذاء رأس الرجل وثدي المرأة

واستدل بفعل علي عليه السلام . قال أبو طالب : وهو رأي أهل البيت ولا يختلفون فيه . وحكي في البحر عن القاسم أنه يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل . قال في البحر بعد حكاية الخلاف مؤيدا لما ذهب إليه الهادي : لأن إجماع العترة أولى من [ ص: 82 ] استحسانهم انتهى

وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي ، وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال أو التعويل على محض الرأي أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل . نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب ، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن ، ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله : ( العلاء بن زياد العلوي ) الذي في غير هذا الكتاب كجامع الأصول والكاشف وغيرهما العدوي وهو الصواب .

1437 - ( وعن عمار مولى الحارث بن نوفل قال { : حضرت جنازة صبي وامرأة ، فقدم الصبي مما يلي القوم ، ووضعت المرأة وراءه فصلى عليهما ، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة فسألتهم عن ذلك فقالوا : السنة . } رواه النسائي وأبو داود ) .

1438 - ( وعن عمار أيضا { أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر أخرجت جنازتاهما ، فصلى عليهما أمير المدينة ، فجعل المرأة بين يدي الرجل وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير ، وثمت الحسن والحسين } ) .

1439 - ( وعن الشعبي { أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رءوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما : } رواهما سعيد في سننه )

الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات ، وأخرجه أيضا البيهقي . وقال : وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية البيهقي أن الإمام في هذه القصة ابن عمر . وفي أخرى له .

وللدارقطني . والنسائي في المجتبى من رواية نافع " عن ابن عمر أنه صلى على سبع جنائز رجال ونساء ، فجعل الرجال مما يلي الإمام ، وجعل النساء مما يلي القبلة وصفهم صفا واحدا ، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابن لها يقال له : زيد والإمام يومئذ سعيد بن العاص ، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة ، فوضع الغلام مما يلي الإمام ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : السنة " وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى . قال الحافظ : وإسناده صحيح

قوله : ( أمير المدينة ) هو سعيد بن العاص كما [ ص: 83 ] وقع مبينا في سائر الروايات . ويجمع بينه وبين ما وقع فيه أن الإمام كان ابن عمر بأن ابن عمر أم بهم بإذنه قال الحافظ : ويحتمل قوله : إن الإمام يومئذ سعيد بن العاص ، يعني الأمير لا أنه كان إماما في الصلاة ، ويرده قوله في حديث الباب : " فصلى عليهما أمير المدينة " قال الحافظ : أو يحمل على أن نسبة ذلك إلى ابن عمر لكونه أشار بترتيب وضع تلك الجنائز . والحديث يدل على أن السنة إذا اجتمعت جنائز أن يصلى عليه صلاة واحدة وقد تقدم في كيفية صلاته صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على كل واحد منهم صلاة وحمزة مع كل واحد وأنه كان يصلي على كل عشرة صلاة " وأخرج ابن شاهين أن عبد الله بن معقل بن مقرن أتي بجنازة رجل وامرأة فصلى على الرجل ثم صلى على المرأة ، وفيه انقطاع . وفي الحديث أيضا أن الصبي إذا صلي عليه مع امرأة كان الصبي ما يلي الإمام والمرأة مما يلي القبلة ، وكذلك إذا اجتمع رجل وامرأة أو أكثر من ذلك كما تقدم عن ابن عمر . وقد ذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب والشافعية والحنفية . وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر والحسن البصري وسالم بن عبد الله : بل الأولى العكس ، ليلي القبلة الأفضل .

وفيه أيضا دليل على أن الأولى بالتقدم للصلاة على الجنازة ذو الولاية ونائبه . ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يؤم الرجل في سلطانه } وقد تقدم في الصلاة . وقد وقع الخلاف إذا اجتمع الإمام والولي أيهما أولى ، فعند أكثر العترة وأبي حنيفة وأصحابه أن الإمام وواليه أولى ، وعند الشافعي والمؤيد بالله والناصر في رواية عنه أن الولي أولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية