صفحة جزء
أبواب الدفن وأحكام القبور

باب تعميق القبر واختيار اللحد على الشق

1461 - ( عن رجل من الأنصار قال { : خرجنا في جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول : أوسع من قبل الرأس ، وأوسع من قبل الرجلين رب عذق له في الجنة } رواه أحمد وأبو داود ) .

1462 - ( وعن هشام بن عامر قال { : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فقلنا : يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد ، فقالوا : فمن نقدم يا رسول الله ؟ قال : قدموا أكثرهم قرآنا ، وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد } رواه النسائي والترمذي بنحوه وصححه ) .


الحديث الأول أخرجه أيضا البيهقي . قال الحافظ : إسناده صحيح . والحديث الثاني [ ص: 96 ] أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه . واختلف فيه على حميد بن هلال راويه عن هشام ، فمنهم من أدخل بينه وبين سعد بن هشام ابنه ، ومنهم من أدخل بينهما أبا الدهماء ومنهم من لم يذكر بينهما أحدا . قوله : ( يوصي ) بالواو والصاد من التوصية ، وذكر ابن المواق أن الصواب يرمي بالراء والميم وأطال في ذلك .

وفيه مشروعية التوصية من الحاضرين للدفن بتوسيع القبر وتفقد ما يحتاج إلى التفقد

قوله : ( رب عذق ) العذق بفتح العين : النخلة والجمع أعذق وأعذاق ، وبكسر العين القنو منها والعنقود من العنب والجمع أعذاق وعذوق . قوله : ( وأعمقوا وأحسنوا ) فيه دليل على مشروعية إعماق القبر وإحسانه . وقد اختلف في حد الإعماق ، فقال الشافعي : قامة . وقال عمر بن عبد العزيز إلى السرة . وقال الإمام يحيى : إلى الثدي ، وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع . وقال مالك : لا حد لإعماقه . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال : " أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة "

قوله : ( وادفنوا الاثنين . . . إلخ ) فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد ، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كما في مثل هذه الواقعة وإلا كان مكروها كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو حنيفة والشافعي . قال المهدي في البحر : أو تبركا كقبر فاطمة فيه خمسة ، يعني فاطمة والحسن بن علي وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وولده جعفر بن محمد الصادق وهذا من المجاورة لا من الجمع بين جماعة في قبر واحد الذي هو المدعى . وقد قدمنا في باب ترك غسل الشهيد طرفا من الكلام على دفن الجماعة في قبر . قوله : ( قدموا أكثرهم قرآنا ) فيه دليل على أنه يقدم في اللحد من كان أكثرهم أخذا للقرآن ، ويلحق بذلك سائر المزايا الدينية لعدم الفارق .

1463 - ( وعن عامر بن سعد قال : قال سعد : { الحدوا لي لحدا ، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم } . رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه ) . .

1464 - ( وعن أنس قال { : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل يلحد ، وآخر يضرح ، فقالوا : نستخير ربنا ونبعث إليهما ، فأيهما سبق تركناه ، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا . } رواه أحمد وابن ماجه . ولابن ماجه هذا المعنى من حديث ابن عباس وفيه : إن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح ، وإن أبا طلحة كان يلحد ) . [ ص: 97 ]

1465 - ( وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اللحد لنا ، والشق لغيرنا } رواه الخمسة ، قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) .

حديث أنس قال الحافظ : إسناده حسن ، وحديث ابن عباس الأول قال الحافظ : أيضا في إسناده ضعف ، وحديثه الثاني أخرجه من ذكره المصنف عن سعيد بن جبير عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف . وفي الباب عن جرير بن عبد الله عند أحمد والبزاز وابن ماجه بنحو حديث ابن عباس الثاني وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف . وزاد أحمد بعد قوله لغيرنا : " أهل الكتاب " . وعن ابن عمر عند أحمد وفيه عبد الله العمري بلفظ : " إنهم ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحدا " وأخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ : " ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر " وعن جابر عند ابن شاهين بنحو حديث سعد بن أبي وقاص وعن بريدة عند ابن عدي في الكامل وعن عائشة عند ابن ماجه بنحو حديث أنس وإسناده ضعيف . وله طريق أخرى عند ابن أبي حاتم في العلل قال : إنها خطأ والصواب المحفوظ مرسل ، وكذا رجح الدارقطني المرسل .

قوله : ( ألحدوا ) قال النووي في شرح مسلم : هو بوصل الهمزة وفتح الحاء ، ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء ، يقال : لحد يلحد كذهب يذهب ، وألحد يلحد : إذا حفر القبر ، واللحد بفتح اللام وضمها معروف وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر انتهى . قال الفراء : الرباعي أجود . وقال غيره : الثلاثي أكثر

ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي صلى الله عليه وسلم " فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد " وسمي اللحد لحدا ; لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه ; والإلحاد في أصل اللغة : الميل والعدول . ومنه قيل للمائل عن الدين : ملحد . قوله : ( وانصبوا علي اللبن نصبا ) فيه استحباب نصب اللبن ; لأنه الذي صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق الصحابة . قال النووي : وقد نقلوا أن عدد لبناته صلى الله عليه وسلم تسع . قوله : ( كان يضرح ) أي يشق في وسط القبر . قال الجوهري : الضرح : الشق . والأحاديث المذكورة في الباب تدل على استحباب اللحد وأنه أولى من الضرح ، وإلى ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي . وحكي في شرح مسلم إجماع العلماء على جواز اللحد والشق انتهى . ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرر من كان يضرح ولم يمنعه

ولا يقدح في صحة حديث ابن عباس الثاني وما في معناه تحير الصحابة عند موته صلى الله عليه وسلم [ ص: 98 ] هل يلحدون له أو يضرحون بأن يقال : لو كان عندهم علم بذلك لم يتحيروا ; لأنه يمكن أن يكون من سمع منه صلى الله عليه وسلم ذلك لم يحضر عند موته .

التالي السابق


الخدمات العلمية