صفحة جزء
باب زكاة الزرع والثمار

1549 - ( عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { فيما سقت الأنهار والغيم العشور ، وفيما سقي بالسانية نصف العشور } رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال : " الأنهار والعيون " )

1550 - ( وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر } رواه الجماعة إلا مسلما ، لكن لفظ النسائي وأبي داود وابن ماجه " بعلا " بدل " عثريا " )


قوله : ( والغيم ) بفتح الغين المعجمة : وهو المطر ، وجاء في رواية " الغيل " باللام قال أبو عبيد : هو ما جرى من المياه في الأنهار ، وهو سيل دون السيل الكبير وقال ابن السكيت : هو الماء الجاري على الأرض قوله

( العشور ) قال النووي : ضبطناه [ ص: 167 ] بضم العين جمع عشر وقال القاضي عياض : ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين وقال : وهو اسم للمخرج من ذلك وقال صاحب المطالع : أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح قال النووي : وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح ، وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر ، وقد اتفقوا على قولهم : عشور أهل الذمة بالضم ، ولا فرق بين اللفظين قوله : ( بالسانية ) هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر ويقال له : الناضح ، يقال منه : سنا يسنو : إذا استقى به قوله : ( فيما سقت السماء ) المراد بذلك المطر أو الثلج أو البرد أو الطل ، والمراد بالعيون : الأنهار الجارية التي يستقى منها دون اغتراف بآلة بل تساح إساحة . قوله : ( أو كان عثريا ) .

هو بفتح العين المهملة وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية . وحكي عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب قال الخطابي : هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي ، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى : وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في سواق تسقي إليه قال : واشتقاقه من العاثور ، وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يتعثر فيها . قال : ومثله الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبا من وجهها فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي قال الحافظ : وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عبيد أن العثري ما سقته السماء ; لأن سياق الحديث يدل على المغايرة ، وكذا قول من فسر العثري بأنه الذي لا حمل له لأنه لا زكاة فيه . قال ابن قدامة لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرها خلافا . قوله : ( بالنضح ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة : أي بالسانية قوله

( بعلا ) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ، ويروى بضمها قال في القاموس : البعل : الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة وكل نخل وزرع لا يسقى ، أو ما سقته السماء ا هـ وقيل : هو الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض . والحديثان يدلان على أنه يجب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة ، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح ، ونحوها مما فيه مؤنة كثيرة قال النووي : وهذا متفق عليه وإن وجد مما يسقى بالنضح تارة وبالمطر أخرى ، فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر ، وهو قول أهل العلم قال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافا وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر عند أحمد والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقيل : يؤخذ بالتقسيط

قال الحافظ : ويحتمل أن يقال : إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه وعن ابن القاسم صاحب مالك : العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل [ ص: 168 ]

1551 - ( وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، ولا فيما دون خمس أواق صدقة ، ولا فيما دون خمس ذود صدقة } رواه الجماعة وفي لفظ لأحمد ومسلم والنسائي : { ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة } ولمسلم في رواية " من ثمر " بالثاء ذات النقط الثلاث ) .

1552 - ( وعن أبي سعيد أيضا أن النبي قال { : الوسق ستون صاعا } رواه أحمد وابن ماجه ولأحمد وأبي داود { ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة ، والوسق ستون مختوما ) } قوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق ) قد تقدم تفسير الوسق والأواقي والذود

قوله : { الوسق ستون صاعا } هذا الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان من طريق عمرو بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد ، وأخرجه أيضا النسائي وأبو داود وابن ماجه من طريق أبي البختري عن أبي سعيد قال أبو داود : وهو منقطع لم يسمع أبو البختري من أبي سعيد وقال أبو حاتم : لم يدركه وأخرج البيهقي نحوه من حديث ابن عمر وابن ماجه من حديث جابر وإسناده ضعيف قال الحافظ : وفيه عن عائشة وعن سعيد بن المسيب وحديث { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } مخصص لعموم حديث جابر المتقدم في أول الباب ولحديث ابن عمر المذكور بعده لأنهما يشملان الخمسة الأوسق وما دونها ، وحديث أبي سعيد هذا خاص بقدر الخمسة الأوسق فلا تجب الزكاة فيما دونها

وإلى هذا ذهب الجمهور وذهب ابن عباس وزيد بن علي والنخعي وأبو حنيفة إلى العمل بالعام ، فقالوا : تجب الزكاة في القليل والكثير ولا يعتبر النصاب وأجابوا عن حديث الأوساق بأنه لا ينتهض لتخصيص حديث العموم لأنه مشهور وله حكم المعلوم ، وهذا إنما يتم على مذهب الحنفية القائلين بأن دلالة العموم قطعية ، وأن العمومات القطعية لا تخصص بالظنيات ، ولكن ذلك لا يجزي فيما نحن بصدده ، فإن العام والخاص ظنيان كلاهما ، والخاص أرجح دلالة وإسنادا فيقدم على العام تقدم أو تأخر أو قارن على ما هو الحق من أنه يبنى العام على الخاص مطلقا وهكذا يجب البناء إذا جهل التاريخ ، وقد قيل : إن ذلك إجماع ، والظاهر أن مقام النزاع من هذا القبيل وقد حكى ابن المنذر [ ص: 169 ] الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض ، إلا أن أبا حنيفة قال : تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر انتهى .

وحكى عياض عن داود أن كل ما يدخله الكيل يراعى فيه النصاب ، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة وهو نوع من الجمع

وقال ابن العربي : أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة وهو التمسك بالعموم انتهى .

وههنا مذهب ثالث حكاه صاحب البحر عن الباقر والصادق أنه يعتبر النصاب في التمر والزبيب والبر والشعير إذ هي المعتادة فانصرف إليها ، وهو قصر للعام على بعض ما يتناوله بلا دليل

التالي السابق


الخدمات العلمية