صفحة جزء
[ ص: 201 ] باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل

1605 - ( عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو جار فقير يتصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك } رواه أبو داود .

وفي لفظ { لا تحل الصدقة إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ، أو غارم ، أو غاز في سبيل الله ، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني } رواه أبو داود وابن ماجه )


. الحديث أيضا أخرجه أحمد ومالك في الموطأ والبزار وعبد بن حميد وأبو يعلى والبيهقي والحاكم وصححه ، وقد أعل بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد ، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها . قوله : ( لغني ) قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين . قوله : ( إلا في سبيل الله ) أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة

قوله : ( أو ابن السبيل ) قال المفسرون : هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنيا في بلده . وقال مجاهد : هو الذي قطع عليه الطريق . وقال الشافعي : ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة . قوله : ( لعامل عليها ) قال ابن عباس : ويدخل في العامل : الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال ، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له ، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها ، سواء كان هاشميا أو غير هاشمي ، ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم ، فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي ، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي في باب تحريم الصدقة على بني هاشم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم

قوله : ( أو رجل اشتراها بماله ) فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك .

وفيه دليل على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها . قوله : ( أو غارم ) وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره كإصلاح ذات البين بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالا لتسكين الثائرة فيجوز له أو يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيا

قال المصنف رحمه الله تعالى: ويحمل هذا [ ص: 202 ] الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس " أو ذي غرم مفظع " انتهى

قوله : ( فأهدى منها لغني ) فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضا منها إلى الأغنياء ; لأن صفة الزكاة قد زالت عنها .

وفيه دليل أيضا على جواز قبول هدية الفقير للغني .

وفي هذا الحديث دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء ، وما ورد بدليل خاص كان مخصصا لهذا العموم كحديث عمر المتقدم في باب : ما جاء في الفقير والمسكين .

1606 - ( وعن ابن لاس الخزاعي قال : { حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة إلى الحج } رواه أحمد وذكره البخاري تعليقا ) .

1607 - ( وعن أم معقل الأسدية { أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة ، فسألت زوجها البكر فأبى ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ، فأمره أن يعطيها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحج والعمرة في سبيل الله } رواه أحمد ) .

1608 - ( وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت : { لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله ، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من حجته جئته ، فقال : يا أم معقل ما منعك أن تخرجي ؟ قالت : لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله ، قال : فهلا خرجت عليه ، فإن الحج من سبيل الله } رواه أبو داود ) . حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه

وحديث أم معقل أخرجه بنحوه - الرواية الأولى - أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وفي إسناده رجل مجهول .

وفي إسناده أيضا إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد . وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه ، فروي عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها .

وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة .

وروي عنه عن أبي معقل . والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود في إسنادها محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف . قوله : ( ابن لاس ) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ ابن ، والذي في البخاري أبي لاس ، وكذا في [ ص: 203 ] التقريب من ترجمة عبد الله بن عنمة ، ولاس بسين مهملة : خزاعي اختلف في اسمه فقيل : زياد وقيل : عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين ، وقيل غير ذلك ، له صحبة وحديثان هذا أحدهما ، وقد وصله مع أحمد ابن خزيمة والحاكم وغيرهما من طريقه . قال الحافظ : رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته

وأحاديث الباب تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله ، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين ، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه . وتدل أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج والعمرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية