صفحة جزء
[ ص: 221 ] كتاب الصيام

قال النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح : الصيام في اللغة : الإمساك وفي الشرع : إمساك مخصوص بشرائط مخصوصة انتهى . وكان فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة .

باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود

1625 - ( عن ابن عمر قال : { تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه } رواه أبو داود والدارقطني وقال : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة ) .

1626 - ( وعن عكرمة عن ابن عباس قال : { جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت الهلال : يعني رمضان فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم قال : يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا } رواه الخمسة إلا أحمد ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة مرسلا بمعناه وقال : { فأمر بلالا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا } )


. الحديث الأول أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والحاكم وصححاه والبيهقي وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه . والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم قال الترمذي : روى مرسلا وقال النسائي إنه أولى بالصواب وسماك بن حرب إذا تفرد بأصل لم يكن حجة وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر أيضا عند الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاوس قال : " شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا : { إن رسول الله [ ص: 222 ] صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان ، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين } قال الدارقطني : تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف . والحديثان المذكوران في الباب يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان ، وإلى ذلك ذهب ابن المبارك وأحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه . قال النووي : وهو الأصح ، وبه قال المؤيد بالله .

وقال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه والهادوية : إنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان . واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الآتي ، وفيه { فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا } وبحديث أمير مكة الآتي ، وفيه " فإن لم نره وشهد شاهدا عدل " وظاهرهما اعتبار شاهدين . وتأولوا الحديثين المتقدمين باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم غيرهما . وأجاب الأولون بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم . وحديثا الباب يدلان على قبوله بالمنطوق ، ودلالة المنطوق أرجح . وأما التأويل بالاحتمال المذكور فتعسف وتجويز لو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثر الشريعة . وحكي في البحر عن الصادق وأبي حنيفة وأحد قولي المؤيد بالله أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال خفاء الهلال عن غيره لا الصحو فلا يقبل إلا جماعة لبعد خفائه . واختلف أيضا في شهادة خروج رمضان ، فحكي في البحر عن العترة جميعا والفقهاء أنه لا يكفي الواحد في هلال شوال .

وحكي عن أبي ثور أنه يقبل . قال النووي في شرح مسلم : لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل انتهى . واستدل الجمهور بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدم ، وهو مما لا تقوم به حجة لما تقدم من ضعف من تفرد به . وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وحديث أمير مكة الآتيان فهما واردان في شهادة دخول رمضان . أما حديث أمير مكة فظاهر لقوله فيه " نسكنا بشهادتهما " . وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ففي بعض ألفاظه " إلا أن يشهد شاهدا عدل " وهو مستثنى من قوله : { فأكملوا عدة شعبان } فالكلام في شهادة دخول رمضان . وأما اللفظ الذي سيذكره المصنف ، أعني قوله : { فإن شهد مسلمان فصوموا وأفطروا } فمع كون مفهوم الشرط قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضا معارض بما تقدم من قبوله صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد في أول الشهر ، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به ، وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسا على الاكتفاء به في الصوم . وأيضا التعبد بقبول خبر الواحد يدل على قبوله في كل موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخبر الواحد كالشهادة على [ ص: 223 ] الأموال ونحوها فالظاهر ما قاله أبو ثور ويمكن أن يقال : إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدم .

وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته لا سيما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدم وهو إن كان ضعيفا فذلك غير مانع من صلاحيته للتأيد فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبد بأخبار الآحاد والمقام بعد محل نظر ومما يؤيد القول بقبول الواحد مطلقا أن قوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدة استنادا إلى قوله وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا لا صريحا وفيه نظر

1627 - ( وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهل الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا } رواه أحمد وأبو داود وزاد في رواية : وإن يغدوا إلى مصلاهم ) . الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح وجهالة الصحابي غير قادحة .

وفي الباب عن عبيد الله أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له { أن ركبا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم } أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم ورواه ابن حبان في صحيحه عن أنس " أن عمومة له " وهو وهم كما قال أبو حاتم في العلل والحديث يدل على قبول شهادة الأعراب وأنه يكتفى بظاهر الإسلام كما تقدم في حديث الأعرابي في أول الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : { أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم قال أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم } الحديث وقد استدل بحديث الباب على اعتبار شهادة الاثنين في الإفطار ، وغير خاف أن مجرد قبول شهادة الاثنين في واقعة لا يدل على عدم قبول الواحد .

قوله : ( فأمر الناس أن يفطروا ) فيه رد على من زعم أن أمره صلى الله عليه وسلم بالإفطار خاص بالركب كما فعل الجلال في رسالة له وقد نبهنا على ذلك في الاعتراضات التي كتبناها عليها وسميناها : اطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال

1628 - ( وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي شك [ ص: 224 ] فيه فقال : ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم ، وأنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، وانسكوا لها ، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما ، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا } رواه أحمد ، ورواه النسائي ولم يقل فيه مسلمان ) .

1629 - ( وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال : { عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية ، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما } . رواه أبو داود والدارقطني وقال : هذا إسناد متصل صحيح ) .

الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحا ، وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه . والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ، ورجاله رجال الصحيح إلا الحسين بن الحارث الجدلي وهو صدوق . وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف والحارث بن حاطب المذكور له صحبة ، خرج مع أبيه مهاجرا إلى أرض الحبشة وهو صغير . وقيل : ولد بأرض الحبشة هو وأخوه محمد بن حاطب ، واستعمل على مكة سنة ست وستين قوله : ( وانسكوا لها ) وهو أعم من قوله : " صوموا لرؤيته " لأن النسك في اللغة : العبادة وكل حق لله تعالى كذا في القاموس قوله : ( فأتموا ثلاثين يوما ) فيه الأمر بإتمام العدة ، وسيأتي الكلام على ذلك قوله : ( مسلمان ) فيه دليل على أنها لا تقبل شهادة الكافر في الصيام والإفطار . وقد استدل بالحديثين على اشتراط العدد في شهادة الصوم والإفطار . وقد تقدم الجواب عن ذلك الاستدلال ، قوله : ( شاهدا عدل ) فيه دليل على اعتبار العدالة في شهادة الصوم ، وعارض ذلك من لم يشترط العدالة بحديث الأعرابي المتقدم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يختبره بل اكتفى بمجرد تكلمه بالشهادتين ، وأجيب بأنه أسلم في ذلك الوقت ، والإسلام يجب ما قبله ، فهو عدل بمجرد تكلمه بكلمة الإسلام وإن لم ينضم إليها عمل في تلك الحال .

التالي السابق


الخدمات العلمية