صفحة جزء
1758 - ( وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ، وأنه أمر بخباء فضرب لما أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمرت غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائها فضرب ; فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر ، فإذا الأخبية ، فقال : آلبر يردن ؟ فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأواخر من شوال } رواه الجماعة إلا الترمذي لكن له منه : كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ) .


قوله : ( صلى الفجر ثم دخل معتكفه ) استدل به على أن أول وقت الاعتكاف من أول النهار ، وبه قال الأوزاعي والليث والثوري . وقال الأئمة الأربعة وطائفة : يدخل قبيل غروب الشمس ، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ، ولكن إنما يخلو بنفسه في المكان الذي أعده للاعتكاف بعد صلاة الصبح قوله : ( بخباء ) بخاء معجمة ثم باء موحدة قوله : ( وأمرت غيرها . . . إلخ ) هذا يقتضي تعميم الأزواج وليس كذلك ، وقد فسر قوله : " من أزواج النبي " بعائشة وحفصة وزينب فقط ، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية للبخاري بلفظ : " أربع قباب " وفيه رواية للنسائي : { فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية ، قال : لمن هذه ؟ قالوا : لعائشة وحفصة وزينب } الحديث ، والرابع خباؤه صلى الله عليه وسلم قوله : ( آلبر ) بهمزة استفهام ممدودة وبغير مد وبنصب الراء قوله : ( يردن ) بضم أوله وكسر الراء وسكون الدال ثم نون النسوة .

وفي رواية البخاري : " انزعوها فلا أراها " قوله ( فقوض ) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة : أي نقض قوله : ( وترك الاعتكاف ) كان الحامل له صلى الله عليه وسلم على ذلك خشية أن يكون الحامل [ ص: 314 ] للزوجات المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصا على القرب منه خاصة ، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه ، أو الحامل له على ذلك أن يكون باعتبار اجتماع النسوة عنده يصير كالجالس في بيته ، وربما يشغله ذلك عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصوده بالاعتكاف قوله : ( في العشر الأواخر من شوال ) في رواية في البخاري : " حتى اعتكف في العشر الأول من شوال " ويجمع بينه وبين الرواية الأولى بأن المراد بقوله : في العشر الأواخر من شوال انتهاء اعتكافه

قال الإسماعيلي : فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم فطر وصومه حرام ، وسيأتي الكلام عليه . وقال غيره : في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى . قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن النذر لا يلزم بمجرد النية ، وأن السنن تقضى ، وأن للمعتكف أن يلزم من المسجد مكانا بعينه ، وأن من التزم اعتكاف أيام معينة لم يلزمه أول ليلة لها انتهى . واستدل به أيضا على جواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها . وأجيب عن ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فيكون دليلا على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية كما قال المصنف .

1759 - ( وعن نافع عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراشه أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة } رواه ابن ماجه ) .

الحديث رجال إسناده في سنن ابن ماجه ثقات . وقد ذكره الحافظ في الفتح عن نافع " أن ابن عمر كان إذا اعتكف . . . إلخ " ولم يذكر أنه مرفوع .

وفي صحيح مسلم عن نافع أنه قال : وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف فيه من المسجد " .

وفيه دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف في المسجد ، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد في الاعتكاف ، فيكون مخصصا للنهي عن إيطان المكان في المسجد ، يعني ملازمته ، وقد تقدم الحديث في الصلاة

1760 - ( وعن عائشة أنها { كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وفي حجرتها يناولها رأسه ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا } ) . [ ص: 315 ]

1761 - ( وعنها أيضا قالت : إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة ) .

1762 - ( وعن صفية بنت حيي قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت لأنقلب ، فقام معي ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد } متفق عليهن )

قوله : ( ترجل ) الترجيل بالجيم : المشط والدهن . فيه دليل على أنه يجوز للمعتكف التنظيف والطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقا بالترجيل . والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد . وعن مالك : يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم .

وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحا في صحة الاعتكاف قوله : ( إلا لحاجة الإنسان ) فسرها الزهري بالبول والغائط ، وقد وقع الإجماع على استثنائهما ، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب ، ويلحق بالبول والغائط : القيء والفصد والحجامة لمن احتاج إلى ذلك ، وسيأتي الكلام على الخروج للحاجات ولغيرها قوله : ( فما أسأل عنه ) سيأتي الكلام على الخروج لزيارة المريض قوله : ( ثم قمت لأنقلب ) أي ترجع إلى بيتها قوله : ( ليقلبني ) بفتح أوله وسكون القاف : أي يردها إلى منزلها

وفيه دليل على جواز خروج المعتكف من مسجد اعتكافه لتشييع الزائر قوله : ( في دار أسامة بن زيد ) أي التي صارت له بعد ذلك ; لأن أسامة إذ ذاك ليس له دار مستقلة بحيث يسكن فيها صفية ، وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حوالي أبواب المسجد .

التالي السابق


الخدمات العلمية