صفحة جزء
باب حرم المدينة وتحريم صيده وشجره

1928 - ( عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { المدينة حرم ما بين عير إلى ثور } مختصر من حديث متفق عليه ) .

1929 - ( وفي حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم { في المدينة : لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها ، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره } . رواه أحمد وأبو داود ) .

1930 - ( وعن عباد بن تميم عن عمه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة } . متفق عليه ) .

1931 - ( وعن أبي هريرة قال : { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى } . متفق عليه ) .

1932 - ( { وعن أبي هريرة في المدينة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم شجرها أن يخبط أو يعضد } . رواه أحمد ) .

1933 - ( وعن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة ، فقال : اللهم إني [ ص: 38 ] أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم } . متفق عليه وللبخاري عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث ، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } ولمسلم عن عاصم الأحول قال { سألت أنسا أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ؟ قال : نعم هي حرام ولا يختلى خلاها فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } ) .

1934 - ( وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إني حرمت المدينة حرام ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف } ) .

1935 - ( وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها } . رواهما مسلم ) .

1936 - ( وعن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة حرام ما بين حرتيها وحماها كلها لا يقطع شجره إلا أن يعلف منها } . رواه أحمد ) .


حديث علي الثاني رجاله رجال الصحيح وأصله في الصحيحين وحديث جابر الآخر في إسناده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام معروف قوله ما بين عير إلى ثور أما عير فهو بفتح العين المهملة وإسكان التحتية وأما ثور فهو بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها راء ومن الرواة من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا ; لأنهم اعتقدوا أن ذكره هنا خطأ قال المازري : قال بعض العلماء : ثور هنا وهم من الرواة وإنما ثور بمكة قال : والصحيح إلى أحد قال القاضي كذا قال أبو عبيد : أصل الحديث من عير إلى أحد انتهى . قال النووي : وكذا قال أبو بكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة أن أصله من عير إلى أحد قال : قلت : ويحتمل أن ثورا كان اسما لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه ، وقال مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور قال عياض لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف .

وكذا قال جماعة من أهل اللغة قال ابن قدامة : [ ص: 39 ] يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عور وثور لا أنهما بعينيهما في المدينة أو سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا وسبقه إلى الأول أبو عبيد على ما حكاه ابن الأثير عنه وقال المحب الطبري في الأحكام : قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك ، قال فعلمنا أن ذكر ثور المذكور في الحديث الصحيح صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه وهذه فائدة جليلة انتهى ، وقد ذكر مثل هذا الكلام في القاموس وقال أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة : إن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا .

قال وقد تحققته بالمشاهدة قوله : لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها قد تقدم تفسير هذه الألفاظ والكلام عليها في باب صيد الحرم وشجره قوله : إلا لمن أشاد بها أي : رفع صوته بتعريفها أبدا لا سنة كما في غيرها ولعله يأتي في اللقطة بسط الكلام على لقطة مكة والمدينة وغيرهما قوله : ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال قال ابن رسلان : هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة فإن كانت حاجة جاز .

قوله : ( ولا يصلح أن يقطع فيها شجرة ) استدل بهذا وبما في الأحاديث المذكورة في الباب من تحريم شجرها وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره الشافعي ومالك وأحمد والهادي وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرما كحرم مكة يحرم صيده وشجره قال الشافعي ومالك : فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان ; لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى ، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى : يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه قال بعض المالكية : وهو ظاهر قوله : كما حرم إبراهيم مكة وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر ، والأحاديث ترد عليهم ، واستدلوا بحديث يا أبا عمير ما فعل النغير .

وأجيب عنه بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل قوله : إلا أن يعلف رجل بعيره فيه دليل على جواز أخذ الأشجار للعلف لا لغيره فإنه لا يحل كما سلف قوله : ( ما بين لابتي المدينة ) قال أهل اللغة : اللابتان : الحرتان واحدتهما : لابة بتخفيف الموحدة وهي : الحرة ، والحرة الحجارة السود وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما قوله : ( وجعل اثني عشر ميلا ) . . . إلخ ، لفظ مسلم عن أبي هريرة قال : { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة } قال أبو هريرة : فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها [ ص: 40 ] وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى انتهى .

والضمير في قوله جعل راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل على ذلك اللفظ الذي ذكره المصنف ويدل عليه أيضا ما عند أبي داود من حديث عدي بن زيد الجذامي قال : { حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا بريدا } فهذا مثل ما في الصحيحين ; لأن البريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة قوله أن يخبط أو يعضد الخبط ضرب الشجر ليسقط ورقه والعضد القطع كما تقدم زاد أبو داود في هذا الحديث إلا ما يساق به الجمل قوله ما بين جبليها قد ادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب ; لأنه وقع التحديد في بعض الروايات بالحرتين وفي بعضها باللابتين وفي بعضها بالجبلين وفي بعضها بعير وثور كما تقدم .

وفي بعضها بالمأزمين كما سيأتي قال في الفتح : وتعقب بأن الجمع بينها واضح ، وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة ، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح ، ولا شك أن ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ، ورواية جبليها لا تنافيها ، فيكون عند كل لابة جبل ، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال ، وجبليها من جهة الشرق والغرب وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر ، والمأزم قد يطلق على الجبل نفسه كما سيأتي قوله : اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم . قال عياض : البركة هنا بمعنى النماء والزيادة . وقال النووي : الظاهر أن المراد البركة في نفس الكيل من المدينة بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها قوله : من كذا إلى كذا جاء هكذا مبهما في روايات البخاري كلها فقيل : إن البخاري أبهمه عمدا لما وقع عنده أنه وهم ووقع عند مسلم إلى ثور ، فالمراد بهذا المبهم من عير إلى ثور ، وقد تقدم الكلام على ذلك .

قوله : ( من أحدث فيها حدثا ) أي : عمل بخلاف السنة كمن ابتدع بها بدعة ، زاد مسلم وأبو داود في هذا الحديث أو آوى محدثا قوله : فعليه لعنة الله . . . إلخ أي اللعنة المستقرة من الله على الكفار ، وأضيف إلى الله على سبيل التخصيص والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله وقيل : إن المراد باللعن هنا : العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر وليس هو كلعن الكافر واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر قوله : ( ما بين مأزميها ) .

قال النووي : المأزم بهمزة بعد الميم وكسر الزاي وهو الجبل وقيل : المضيق بين جبلين ونحوه والأول هو الصواب هنا ومعناه ما بين جبليها انتهى قوله : أن لا يهراق فيها دم فيه دليل على تحريم إراقة الدماء بالمدينة لغير ضرورة قوله : ( إلا لعلف ) هو بإسكان اللام مصدر علفت .

وأما العلف بفتح اللام فهو اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف لا خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام قوله : ( عضاهها ) العضاه بالقصر وكسر العين المهملة وتخفيف [ ص: 41 ] الضاد المعجمة : كل شجر فيه شوك واحدتها عضاهة وعضهة قوله : وحماها كلها فيه دليل على أن حكم حمى المدينة حكمها في تحريم صيده وشجره وقد تقدم بيان مقدار الحمى أنه من كل ناحية من نواحي المدينة بريد .

1937 - ( وعن عامر بن سعد عن أبيه قال : قال رسول الله { صلى الله عليه وسلم إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها } ) .

1938 - ( وعن عامر بن سعد { أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم ، فقال : معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم } . رواهما أحمد ومسلم ) .

1939 - ( وعن سليمان بن أبي عبد الله قال : { رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه فجاء مواليه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم وقال من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إن شئتم أعطيكم ثمنه أعطيتكم } .

رواه أحمد وأبو داود وقال فيه : من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه ثيابه ) الحديث الأول قد تقدم الكلام عليه ، والحديث الثالث أخرجه أيضا الحاكم وصححه وفي إسناده سليمان بن أبي عبد الله المذكور قال أبو حاتم : ليس بمشهور ولكن يعتبر بحديثه قال الذهبي : تابعي وثق وقد وهم البزار فقال : لا يعلم أحد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سعد ولا عنه إلا عامر وهذا يرد عليه وقد أخرجه أيضا أبو داود عن مولى لسعد عنه ووهم أيضا الحاكم فقال في حديث سعد : إن الشيخين لم يخرجاه وهو في مسلم كما عرفت .

قوله : فسلبه أي : أخذ ما عليه من الثياب قوله : ( نفلنيه ) أي : أعطانيه قال في القاموس : نفله النفل وأنفله أعطاه إياه وقال أيضا : والنفل محركة : الغنيمة والهبة قوله : ( طعمة ) بضم الطاء وكسرها ومعنى الطعمة الأكلة وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته قوله فليسلبه ثيابه هذا ظاهر في أنه تؤخذ ثيابه جميعها وقال الماوردي : يبقي له ما يستر عورته ، وصححه النووي واختاره جماعة من أصحاب [ ص: 42 ] الشافعي وبقصة سعد هذه احتج من قال : إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه وهو قول الشافعي في القديم قال النووي : وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة انتهى .

وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به قال وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر انتهى ، وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال : ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم ، وقد اختلف في السلب فقيل : إنه لمن سلبه وقيل : لمساكين المدينة وقيل : لبيت المال وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدا يصيد أو يأخذ من شجره .

التالي السابق


الخدمات العلمية