صفحة جزء
باب ما احتج به في عدم وجوبها بتضحية رسول الله عن أمته 2098 - عن { جابر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى ، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه ، فقال : بسم الله والله أكبر اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي . } رواه أحمد وأبو داود والترمذي

2099 - ( وعن علي بن الحسين عن أبي رافع { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول : هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعا المساكين ويأكل هو وأهله منهما فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله صلى الله عليه وسلم والغرم . } رواه أحمد )


. الحديث الأول قال الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه وقال : المطلب بن عبد الله بن حنطب ، يقال : إنه لم يسمع من جابر . وقال أبو حاتم الرازي : يشبه أن يكون أدركه . والحديث الثاني سكت عنه الحافظ في التلخيص . وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير والبزار . قال في مجمع الزوائد : وإسناد أحمد والبزار حسن . وأخرج نحوه أحمد أيضا وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وسيأتي في باب التضحية بالخصي .

قوله : ( أملحين ) الأملح هو الأبيض الخالص قاله ابن الأعرابي . وقال الأصمعي : هو الأبيض المشوب بشيء من السواد وقال أبو حاتم : هو الذي يخالط بياضه حمرة وقيل : هو الأسود الذي يعلوه حمرة . وقال الكسائي : هو الذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر . وقال الخطابي : هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود . قوله : ( أقرنين ) قال [ ص: 131 ] النووي أي : لكل واحد منهما قرنان حسنان وفيه دليل على استحباب التضحية بالأملح الأقرن . قال النووي : وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم وهو الذي لم يخلق الله له قرنين وأما المكسور فسيأتي الكلام فيه ، والحديثان يدلان على أنه يجوز للرجل أن يضحي عنه وعن أتباعه وأهله ويشركهم معه في الثواب وبه قال الجمهور .

وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحديثان يردان عليهم . وقد أخرج مسلم من حديث أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : اللهم تقبل من محمد وآل محمد وعن أمة محمد } وسيأتي في باب الذبح بالمصلى . وأخرج أيضا ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب { أن الرجل كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم } وسيأتي في باب الاجتزاء بالشاء ، وقد تمسك بحديثي الباب وما ورد في معناهما من قال : إن الأضحية غير واجبة بل سنة وهم الجمهور قال النووي : وممن قال بهذا أبو بكر وعمر وبلال وأبو مسعود البدري وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وابن المنذر وداود وغيرهم انتهى .

وحكاه في البحر أيضا عمن ذكر من الصحابة وعن ابن مسعود وابن عباس وحكاه أيضا عن العترة والشافعي وأبي يوسف ومحمد ، وقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث وبعض المالكية : إنها واجبة على الموسر وحكاه في البحر عن مالك وقال النخعي : واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى وقال محمد بن الحسن : واجبة على المقيم بالأمصار والمشهور عن أبي حنيفة أنه قال : إنما نوجبها على مقيم يملك نصابا كذا قال النووي ، قال ابن حزم : لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة وصح أنها غير واجبة عن الجمهور ولا خلاف في كونها من شرائع الدين ووجه دلالة الحديثين وما في معناهما على عدم الوجوب أن الظاهر أن تضحيته صلى الله عليه وسلم عن أمته وعن أهله تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكنا من الأضحية أو غير متمكن ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حديث { على أهل كل بيت أضحية }

وسيأتي في باب ما جاء في الفرع والعتيرة ما يدل على وجوبها على أهل كل بيت يجدونها فيكون قرينة على أن تضحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غير الواجدين من أمته ولو سلم الظهور المدعى فلا دلالة له على عدم الوجوب ; لأن محل النزاع من لم يضح عن نفسه ولا ضحى عنه غيره فلا يكون عدم وجوبها على من كان في عصره من الأمة مستلزما لعدم وجوبها على من كان في غير عصره منهم فإن قيل هذا يستلزم أن الشاة الواحدة عن جميع الأمة قلنا : هذه مسألة أخرى خارجة عن محل النزاع سيأتي بيانها ومن أدلة القائلين بعدم الوجوب ما أخرجه أحمد عن ابن عباس مرفوعا { أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها وأمرت بالأضحى ولم تكتب عليكم } . وأخرجه أيضا البزار وابن عدي والحاكم عنه بلفظ : { ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع [ ص: 132 ] النحر والوتر وركعتا الضحى } وأخرجه أيضا أبو يعلى عنه بلفظ { : كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها } ويجاب عنه بأن في إسناده أحمد وأبا يعلى جابر الجعفي وهو ضعيف جدا وفي إسناد البزار وابن عدي والحاكم بن جناب الكلبي . وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه . وقد أخرجه الدارقطني بلفظ : { ثلاث هن علي فريضة وهن لكم تطوع : الوتر ، وركعتا الفجر ، وركعتا الضحى } وأخرجه البزار بلفظ : { أمرت بركعتي الفجر والوتر وليس عليكم } . ورواه الدارقطني أيضا وابن شاهين في ناسخه عن أنس مرفوعا { أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم علي } وفي إسناده عبد الله بن محرز وهو متروك واستدلوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة . وكذلك أخرج عن ابن عباس وبلال وأبي مسعود وابن عمر

ولا حجة في شيء من ذلك واستدل من قال بالوجوب بقول الله تعالى : { فصل لربك وانحر } والأمر للوجوب . وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له لا للأصنام فالأمر متوجه إلى ذلك ; لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ، ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر على أنه قد روي أن المراد بالنحر وضع اليدين حال الصلاة على الصدر كما سلف في الصلاة واستدلوا أيضا بحديث { : من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا } وقد تقدم .

ووجه الاستدلال به أنه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضح دل على أنه قد ترك واجبا ، فكأنه لا فائدة في التقرب مع ترك هذا الواجب . قال في الفتح : وليس صريحا في الإيجاب . واستدلوا أيضا بحديث مخنف بن سليم أنه صلى الله عليه وسلم قال بعرفات : { يا أيها الناس على أهل كل بيت أضحية في كل عام وعتيرة } أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه ، وسيأتي ما عليه من الكلام . وأجيب عنه بأنه منسوخ لقوله صلى الله عليه وسلم { لا فرع ولا عتيرة } ولا يخفى أن نسخ العتيرة على فرض صحته لا يستلزم نسخ الأضحية .

واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : { من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله } . وهو متفق عليه من حديث جندب بن سفيان البجلي . وبما روي من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من كان ذبح قبل الصلاة فليعد } وسيأتي هو وحديث جندب في باب وقت الذبح ، والأمر ظاهر في الوجوب ، ولم يأت من قال بعدم الوجوب بما يصلح للصرف كما عرفت . نعم حديث أم سلمة الآتي قريبا ربما كان صالحا للصرف لقوله : " وأراد أحدكم أن يضحي " ; لأن التفويض إلى الإرادة يشعر بعدم الوجوب

التالي السابق


الخدمات العلمية