صفحة جزء
[ ص: 200 ] باب هل يسن تكرار مسح الرأس أم لا

19 1 - ( عن أبي حبة قال : رأيت عليا رضي الله عنه { توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة ، ثم غسل قدميه إلى الكعبين ، ثم قال : أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه الترمذي وصححه ) .


وأخرجه أيضا ابن ماجه . وروي عن سلمة بن الأكوع مثله . وعن ابن أبي أوفى مثله أيضا ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بلفظ : ( ومسح برأسه مرة ) . قال الحافظ : وإسناده صالح ، ورواه أبو علي بن السكن من حديث رزيق بن حكيم عن رجل من الأنصار مثله . وأخرجه الطبراني من حديث عثمان مطولا وفيه : ( مسح برأسه مرة واحدة ) وهو في الصحيحين مطلق غير مقيد ، وكذا حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين فإنه أطلق مسح الرأس ولم يقيده .

قال الحافظ : وفي رواية يعني من حديث عبد الله ( ومسح برأسه مرة واحدة ) وكذا حديث ابن عباس الآتي بعد هذا فإنه قيد المسح فيه بمرة واحدة . وأخرج أبو داود من طريق ابن أبي ليلى قال { رأيت عليا توضأ وفيه ومسح برأسه واحدة ثم قال : هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم } وأخرج أيضا من طريق ابن جريج ( أن عليا مسح برأسه مرة واحدة ) ، وأخرج الترمذي من حديث الربيع بلفظ : { أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ قالت : مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة } وقال : حسن صحيح .

وفي تصحيحه نظر فإنه رواه من طريق ابن عقيل . وروى النسائي من حديث الحسين بن علي عن أبيه ( أنه مسح برأسه مرة واحدة ) .

ورواه الإمام أحمد والبيهقي من حديث عبد خير عن علي بلفظ : مرة واحدة ، ورواه البيهقي من حديث زر بن حبيش بلفظ : ( ومسح رأسه حتى لما يقطر الماء ) . وأخرج النسائي من حديث عائشة في تعليمها لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال ومسحت رأسها مسحة واحدة ) ، والحديث يدل على أن السنة في مسح الرأس أن يكون مرة واحدة ، وقد اختلف في ذلك فذهب عطاء وأكثر العترة والشافعي إلى أنه يستحب تثليث مسحه كسائر الأعضاء ، واستدلوا على ذلك بما في حديث علي وعثمان ( أنهما مسحا ثلاث مرات ) وفي كلا الحديثين مقال .

أما حديث علي فهو عند الدارقطني من طريق عبد خير من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عنه ، وقال : إن أبا حنيفة خالف الحفاظ في ذلك فقال : ثلاثا وإنما هو مرة واحدة ، وهو أيضا عند الدارقطني من طريق [ ص: 201 ] عبد الملك بن سلع عن عبد خير بلفظ : ( ومسح برأسه وأذنيه ثلاثا ) ، ومنها عند البيهقي في الخلافيات من طريق أبي حبة عن علي ، وأخرجه البزار أيضا . ومنها عند البيهقي في السنن من طريق محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي في صفة الوضوء ، وعند الطبراني وفيه عبد العزيز بن عبيد الله ، قال الحافظ : وهو ضعيف ، وأما حديث عثمان فرواه أبو داود والبزار والدارقطني بلفظ ( فمسح رأسه ثلاثا ) وفي إسناده عبد الرحمن بن وردان قال أبو حاتم : ما به بأس .

وقال ابن معين : صالح ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وتابعه هشام بن عروة ، أخرجه البزار وأخرجه أيضا من طريق عبد الكريم عن حمران ، وإسناده ضعيف ، ورواه أيضا من حديث أبي علقمة مولى ابن عباس عن عثمان وفيه ضعف ، ورواه أبو داود وابن خزيمة والدارقطني من طريق عامر بن شقيق بلفظ : ( ومسح برأسه ثلاثا ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا ) وعامر بن شقيق مختلف فيه ، ورواه أحمد والدارقطني وابن السكن ، وفي إسناده ابن دارة : مجهول الحال ، ورواه البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح عن عثمان وفيه انقطاع . ورواه الدارقطني وفيه ابن البيلماني وهو ضعيف جدا عن أبيه وهو أيضا ضعيف .

ورواه أيضا بإسناد فيه إسحاق بن يحيى . وليس بالقوي ، ورواه البزار عن عثمان بلفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم { توضأ ثلاثا ثلاثا } وإسناده حسن ، وهو عند مسلم والبيهقي من وجه آخر هكذا بدون تعرض لذكر المسح . قال البيهقي : روي من أوجه غريبة عن عثمان وفيها مسح الرأس ثلاثا إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة ، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها ، ومثله مقالة أبي داود التي سيذكرها المصنف آخر الباب . ومال ابن الجوزي في كشف المشكل إلى تصحيح التكرير .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : لا نعلم أحدا من السلف جاء عنه استكمال الثلاث في مسح الرأس إلا عن إبراهيم التيمي ، قال الحافظ : وقد رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وعطاء وزاذان وميسرة ، وأورده أيضا من طريق أبي العلاء عن قتادة عن أنس . قال : وأغرب ما يذكر هنا أن الشيخ أبا حامد الإسفراييني حكى عن بعضهم أنه أوجب الثلاث ، وحكاه صاحب الإبانة عن ابن أبي ليلى ، وذهب مجاهد والحسن البصري وأبو حنيفة والمؤيد بالله وأبو نصر من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يستحب تكرار مسح الرأس ، واحتجوا بما في الصحيحين من حديث عثمان وعبد الله بن زيد من إطلاق مسح الرأس مع ذكر تثليث غيره من الأعضاء ، وبحديث الباب ، وما ذكرناه بعده من الروايات المصرحة بالمرة الواحدة .

والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة ، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو [ ص: 202 ] المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة ، وحديث ( من زاد على هذا فقد أساء وظلم ) الذي صححه ابن خزيمة وغيره قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقالة ، كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح مرة واحدة ، ثم قال : ( من زاد ) ، قال الحافظ في الفتح : ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة .

( فائدة ) ورد ذكر مسح الرأس مرتين عند النسائي من رواية عبد الله بن زيد ومن حديث الربيع عند الترمذي وأبي داود وفيه المقال الذي تقدم .

192 - ( وعن ابن عباس رضي الله عنه { أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة . } رواه أحمد وأبو داود ) .

193 - ولأبي داود { عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ مثل ذلك قال : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ . } الحديث الأول أعله الدارقطني وتعقبه أبو الحسن بن القطان فقال : ما أعله به ليس علة وإنه إما صحيح أو حسن . والحديث الثاني قد تقدم الكلام عليه في الذي قبله . قال المصنف رحمه الله: وقد سبق حديث عثمان المتفق عليه بذكر العدد ثلاثا ثلاثا إلا في الرأس قال أبو داود : أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا وقالوا : فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية