صفحة جزء
كتاب الهبة والهدية باب افتقارها إلى القبول والقبض وأنه على ما يتعارفه الناس [ ص: 413 ] عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت } رواه البخاري )

2467 - ( وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لو أهدي إلي كراع لقبلت ، ولو دعيت عليه لأجبت } رواه أحمد والترمذي وصححه )


في الباب عن أم حكيم الخزاعية عند الطبراني قالت : { قلت يا رسول الله تكره رد اللطف قال : ما أقبحه لو أهدي إلي كراع لقبلت } قال في القاموس : اللطف بالتحريك : اليسير من الطعام قوله : ( كتاب الهبة ) بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة . قال في الفتح : تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء وهو هبة الدين ممن هو عليه ، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة ، والهدية : وهي ما يلزم له الموهوب له عوضه ، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية ، وهي تكون أيضا بالأنواع الثلاثة ، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل ، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض ا هـ

قوله : ( والهدية ) بفتح الهاء وكسر الدال المهملة بعدها ياء مشددة ثم تاء تأنيث . قال في القاموس : الهدية كغنية : ما أتحف به قوله : ( إلى كراع ) هو ما دون الكعب من الدابة ، وقيل : اسم مكان ، قال الحافظ : ولا يثبت ويرده حديث أنس وحديث أم حكيم المذكوران ، وخص الكراع والذراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير ; لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها ، والكراع لا قيمة له وفي المثل : أعط العبد كراعا يطلب ذراعا هكذا في الفتح

والظاهر أن مراده صلى الله عليه وسلم الحض على إجابة الدعوة ولو كانت إلى شيء حقير كالكراع والذراع ، وعلى قبول الهدية ولو كانت شيئا حقيرا من كراع أو ذراع وليس المراد الجمع بين حقير وخطير ، فإن الذراع لا يعد على الانفراد خطيرا ولم تجر عادة بالدعوة إليه ولا بإهدائه ، فالكلام من باب الجمع بين حقيرين ، وكون أحدهما أحقر من الآخر لا يقدح في ذلك ، ومحبته صلى الله عليه وسلم للذراع لا تستلزم أن تكون في [ ص: 414 ] نفسها خطيرة ، ولا سيما في خصوص هذا المقام ، ولو كان ذلك مرادا له صلى الله عليه وسلم لقابل الكراع الذي هو أحقر ما يهدى ويدعى إليه بأخطر ما يهدى ويدعى إليه كالشاة وما فوقها ، ولا شك أن مراده صلى الله عليه وسلم الترغيب في إجابة الدعوة وقبول الهدية وإن كانت إلى أمر حقير وفي شيء يسير

وقد ترجم البخاري لهذا الحديث فقال : باب القليل من الهدية وفي الحديثين المذكورين دليل على اعتبار القبول لقوله صلى الله عليه وسلم : " لقبلت " وسيأتي الخلاف في ذلك

2468 - ( وعن خالد بن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه } رواه أحمد )

2469 - ( وعن عبد الله بن بسر قال : { كانت أختي ربما تبعثني بالشيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطرفه إياه فيقبله مني وفي لفظ كانت تبعثني إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالهدية فيقبلها } رواهما أحمد وهو دليل على قبول الهدية برسالة الصبي ; لأن عبد الله بن بسر كان كذلك مدة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

2470 - ( وعن { أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت : لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها : إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ، ولا أرى هديتي إلا مردودة ، فإن ردت علي فهي لك ، قالت : وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وردت عليه هديته فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك ، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة } رواه أحمد )

حديث خالد بن عدي قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين من كتاب الزكاة ، وأعاده المصنف هاهنا للاستدلال به على أن الهدية تفتقر إلى القبول لقوله فيه " فليقبله " وحديث عبد الله بن بسر أخرجه أيضا الطبراني في الكبير قال في مجمع الزوائد : ورجالهما يعني : أحمد والطبراني رجال الصحيح وله حديث آخر أخرجه الطبراني في الكبير ، وفي إسناده الحكم بن الوليد ، ذكره ابن عدي في الكامل ، وذكر له هذا الحديث وقال : لا أعرف هذا عن عبد الله بن بسر إلا عن الحكم هكذا ، هذا معنى كلامه قال في مجمع [ ص: 415 ] الزوائد : وبقية رجاله ثقات .

وحديث أم كلثوم أخرجه أيضا الطبراني وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي ، وثقه ابن معين وغيره ، وضعفه جماعة وفي إسناده أيضا أم موسى بنت عقبة ، قال في مجمع الزوائد : لا أعرفها ، وبقية رجاله رجال الصحيح قوله في حديث خالد : ( فليقبله ) فيه الأمر بقبول الهدية والهبة ونحوهما من الأخ في الدين لأخيه ، والنهي عن الرد لما في ذلك من جلب الوحشة وتنافر الخواطر ، فإن التهادي من الأسباب المورثة للمحبة لما أخرجه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي وابن طاهر في مسند الشهاب من حديث محمد بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم { تهادوا تحابوا } قال الحافظ : وإسناده حسن ، وقد اختلف فيه على ضمام فقيل : عنه عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمر ، أورده ابن طاهر ورواه في مسند الشهاب من حديث عائشة بلفظ : { تهادوا تزدادوا حبا } وفي إسناده محمد بن سليمان .

قال ابن طاهر : لا أعرفه ، وأورده أيضا من وجه آخر عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية وقال : إسناده غريب وليس بحجة وروى مالك في الموطإ عن عطاء الخراساني رفعه { تصافحوا يذهب الغل ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء } وفي الأوسط للطبراني من حديث عائشة { تهادوا تحابوا ، وهاجروا تورثوا أولادكم مجدا ، وأقيلوا الكرام عثراتهم } قال الحافظ : وفي إسناده نظر وأخرج في الشهاب عن عائشة { تهادوا فإن الهدية تذهب الضغائن } ومداره على محمد بن عبد النور عن أبي يوسف الأعشى عن هشام عن أبيه عنها ، والراوي له عن محمد هو أحمد بن الحسن المقري قال الدارقطني : ليس بثقة وقال ابن طاهر : لا أصل له عن هشام ورواه ابن حبان في الضعفاء من طريق بكر بن بكار عن عائذ بن شريح عن أنس بلفظ : { تهادوا فإن الهدية قلت أو كثرت تذهب السخيمة } وضعفه بعائذ قال ابن طاهر تفرد به عائذ .

وقد رواه عنه جماعة قال : ورواه كوثر بن حكيم عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وكوثر متروك وروى الترمذي من حديث أبي هريرة { تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر } وفي إسناده أبو معشر المدني تفرد به وهو ضعيف ورواه ابن طاهر في أحاديث الشهاب من طريق عصمة بن مالك بلفظ : { الهدية تذهب بالسمع والبصر } ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر بلفظ : { تهادوا فإن الهدية تذهب الغل } رواه محمد بن غيزغة وقال : لا يجوز الاحتجاج به ، وقال فيه البخاري : منكر الحديث وروى أبو موسى المديني في الذيل في ترجمة زعبل بالزاي والعين المهملة والباء الموحدة يرفعه { تزاوروا وتهادوا ، فإن الزيارة تثبت الوداد والهدية تذهب السخيمة } قال الحافظ : وهو مرسل وليس لزعبل صحبة قوله : " فإنما هو رزق ساقه الله إليه " فيه دليل على أن الأشياء الواصلة إلى العباد على أيدي بعضهم هي من الأرزاق الإلهية لمن [ ص: 416 ] وصلت إليه ، وإنما جعلها الله جارية على أيدي العباد لإثابة من جعلها على يده فالمحمود على جميع ما كان من هذا القبيل هو الله تعالى قوله : ( يطرفه إياه ) بالطاء المهملة والراء بعدها فاء

قال في القاموس : الطرفة بالضم الاسم من الطريف والطارف والمطرف للمال المستحدث قال : والغريب من الثمر وغيره قوله : ( فيقبلها ) فيه دليل على اعتبار القبول ولأجل ذلك ذكره المصنف .

وكذلك حديث أم كلثوم فيه دليل أيضا على اعتبار القبول ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل ذلك على أن الهدية لا تملك بمجرد الإهداء ، بل لا بد من القبول ، ولو كانت تملك بمجرد ذلك لما قبضها صلى الله عليه وسلم ; لأنها قد صارت ملكا للنجاشي عند بعثه صلى الله عليه وسلم بها ، فإذا مات بعد ذلك وقبل وصولها إليه صارت لورثته وإلى اعتبار القبول في الهبة ذهب الشافعي ومالك والناصر والهادوية والمؤيد بالله في أحد قوليه

وذهب بعض الحنفية والمؤيد بالله في أحد قوليه إلى أن الإيجاب كاف

وقد تمسك بحديث أم كلثوم أحمد وإسحاق فقالا في الهدية التي مات من أهديت إليه قبل وصولها إن كان حاملها رسول المهدي رجعت إليه ، .

وإن كان حاملها رسول المهدى إليه فهي لورثته وذهب الجمهور إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدى إليه إلا بأن يقبضها هو أو وكيله

وقال الحسن : أيهما مات فهي لورثة المهدى له إذا قبضها الرسول قال ابن بطال : وقول مالك كقول الحسن وروى البخاري عن أبي عبيدة تفصيلا بين أن تكون الهدية قد انفصلت أم لا مصيرا منه إلى أن قبض الرسول يقوم مقام قبض المهدى إليه وحديث أم كلثوم هذا أخرجه أيضا الطبراني والحاكم ، وحسن صاحب الفتح إسناده قوله : ( ولا أرى النجاشي إلا قد مات ) قد سبق في صلاة الجنازة ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم أصحابه بموت النجاشي على جهة الجزم ، وصلى هو وهم عليه ، وتقدم أنه رفع له نعشه حتى شاهده ، وكل ذلك يخالف ما وقع من تظننه صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية

التالي السابق


الخدمات العلمية