صفحة جزء
باب وصية من لا يعيش مثله 2536 - ( عن عمرو بن ميمون قال : رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال : كيف فعلتما أتخافا أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق ؟ قالا : حملناها أمرا هي له مطيقة ، وما فيها كثير فضل ، قال : انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قال : قالا : لا ، فقال عمر : لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا ; قال : فما أتت عليه رابعة حتى أصيب ، قال : إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب ، وكان إذا مر بين الصفين . قال : استووا ، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم وكبر ، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس ، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول : قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم تسعة ; فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا ; فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه ; وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ، [ ص: 56 ] فمن يلي عمر فقد رأى الذين أرى ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون : سبحان الله ، سبحان الله ، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ، فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة ، فقال : الصنع ؟ قال : نعم ، قال : قاتله الله لقد أمرت به معروفا ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة ، وكان العباس أكثرهم رقيقا ، فقال : إن شئت فعلت : أي إن شئت قتلنا ، قال : كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم ، وصلوا قبلتكم ، وحجوا حجكم ; فاحتمل إلى بيته ، فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، فقائل يقول : أخاف عليه ، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه . ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه ، فعلموا أنه ميت ، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه ، وجاء رجل شاب ، فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت ، ثم وليت فعدلت ، ثم شهادة فقال : وددت ذلك كفافا لا علي ولا لي ; فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض ، فقال : ردوا علي الغلام ، قال : يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك ، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين ، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه ، قال : إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم ، فأد عني هذا المال ; انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل : يقرأ عليكم عمر السلام ، ولا تقل أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، فسلم واستأذن ، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال : يقرأ عمر بن الخطاب عليكم السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ، ولأوثرنه به اليوم على نفسي ; فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال : ارفعوني ، فأسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ; أذنت . قال : الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك ، فإذا قبضت فاحملوني ، ثم سلم فقل : يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لي فأدخلوني ، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين ; وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير تتبعها ; فلما رأيناها قمنا ، فولجت عليه فبكت عنده ساعة ، واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم ، فسمعنا بكاءها من الداخل ، فقالوا : أوص يا أمير [ ص: 57 ] المؤمنين ، استخلف ، فقال : ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء ، كهيئة التعزية له ، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك . وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة . وقال : أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ، ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ، وأن يعفو عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا ، فهم ردء الإسلام ، وجباة المال ، وغيظ العدو ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا ، فإنهم أصل العرب ، ومادة الإسلام ، أن يؤخذ من حواشي أموالهم ، ويرد في فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من وراءهم ، ولا يكلفوا إلا طاقتهم . فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي ، فسلم عبد الله بن عمر ، فقال : يستأذن عمر بن الخطاب ، قالت : أدخلوه ، فأدخل ، فوضع هنالك مع صاحبيه ; فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال عبد الرحمن : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم ، فقال الزبير : قد جعلت أمري إلى علي ، فقال طلحة : قد جعلت أمري إلى عثمان . وقال سعد : قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف ، فقال عبد الرحمن بن عوف : أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه ، فأسكت الشيخان ، فقال عبد الرحمن : أفتجعلونه إلي ، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم ، قالا : نعم ، فأخذ بيد أحدهم فقال : لك من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت ، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ، ولئن أمرتعثمان لتسمعن ولتطيعن ، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك ; فلما أخذ الميثاق قال : ارفع يدك يا عثمان ، فبايعه وبايعه علي ، وولج أهل الدار فبايعوه رواه البخاري ، وقد تمسك به من رأى للوصي والوكيل أن يوكلا )


قوله : ( عن عمرو بن ميمون هو الأودي ) ، وهذا الحديث بطوله رواه عن عمرو بن ميمون جماعة قوله : ( قبل أن يصاب بأيام ) أي أربعة كما بين فيما بعد قوله ( : بالمدينة ) أي بعد أن صدر من الحج قوله : ( أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق ) الأرض المشار إليها هي أرض السواد وكان عمر بعثهما يضربان عليها الخراج وعلى أهلها الجزية كما بين ذلك أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية عمرو بن ميمون المذكور ; والمراد بقوله : " انظرا " أي في التحميل أو هو كناية عن الحذر لأنه يستلزم النظر

قوله : ( قالا [ ص: 58 ] حملناها أمرا هي له مطيقة ) في رواية ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن حصين بهذا الإسناد ، فقال حذيفة : لو شئت لأضعفت أرضي : أي جعلت خراجها ضعفين وقال عثمان بن حنيف : لقد حملت أرضي هي له مطيقة ، وفي رواية له " إن عمر قال لعثمان بن حنيف : لئن زدت على كل رأس درهمين وعلى كل جريب درهما وقفيزا من طعام لأطاقوا ذلك ؟ قال نعم " قوله : ( إني لقائم ) أي في الصف ننتظر صلاة الصبح

قوله : ( قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه ) في رواية أخرى : " فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، فناجى عمر غير بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات ، فرأيت عمر قائلا بيده هكذا يقول : دونكم الكلب فقد قتلني " واسم أبي لؤلؤة فيروز وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري قال : " كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا ، ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول : إن عنده أعمالا تنفع الناس ، إنه حداد نقاش نجار ، فأذن له ، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة ، فشكا إلى عمر شدة الخراج ، فقال له عمر : ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل ، فانصرف ساخطا ، فلبث عمر ليالي ، فمر به العبد فقال له : ألم أحدث أنك تقول : لو أشاء لصنعت رحا تطحن بالريح ، فالتفت إليه عابسا فقال له : لأصنعن لك رحا يتحدث الناس بها ، فأقبل عمر على من معه فقال : توعدني العبد ، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه ، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة ، وكان عمر يفعل ذلك ; فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته قوله : ( حتى طعن ثلاثة عشر رجلا ) في رواية ابن إسحاق " اثني عشر رجلا معه وهو ثالث عشر " وزاد ابن إسحاق من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون " وعلى عمر إزار أصفر قد رفعه على صدره ، فلما طعن قال : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } قوله

: ( مات منهم تسعة ) أي وعاش الباقون قال الحافظ : وقفت من أسمائهم على كليب بن بكير الليثي

قوله : ( فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا ) وقع في ذيل الاستيعاب لابن فتحون من طريق سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا أبي ، حدثني من سمع حصين بن عبد الرحمن في هذه القصة قال : " فلما رأى ذلك رجل من المهاجرين يقال له : خطاب التميمي اليربوعي " فذكر الحديث وروى ابن سعد بإسناد ضعيف منقطع قال : " فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش منهم عبد الله بن عوف وهاشم بن عتبة الزهريان ورجل من بني تميم ، وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه " قال الحافظ : فإن ثبت هذا حمل على أن الكل اشتركوا في ذلك

قوله [ ص: 59 ] فقدمه ) أي للصلاة بالناس قوله : ( فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ) في رواية ابن إسحاق : " بأقصر سورتين في القرآن : إنا أعطيناك الكوثر ، وإذا جاء نصر الله والفتح " زاد في رواية ابن شهاب " ثم غلب على عمر النزف فغشي عليه ، فاحتملته في رهط حتى أدخلته بيته ، فلم يزل في غشيته حتى أسفر ، فنظر في وجوهنا فقال : الناس ؟ فقلت : نعم ، قال : لا إسلام لمن ترك الصلاة ثم توضأ وصلى " وفي رواية ابن سعد من طريق ابن عمر قال : " فتوضأ وصلى الصبح ، فقرأ في الأولى والعصر ، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون

قال : وتساند إلي وجرحه يثعب دما إني لأضع إصبعي الوسطى فما تسد الفتق " قوله : ( فلما انصرفوا قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ) في رواية ابن إسحاق " فقال عمر : يا عبد الله بن عباس اخرج فناد في الناس : أعن ملإ منكم كان هذا ؟ فقالوا : معاذ الله ما علمنا ولا اطلعنا " وزاد مبارك بن فضالة " فظن عمر أن له ذنبا إلى الناس لا يعلمه ، فدعا ابن عباس وكان يحبه ويدنيه ، فقال : أحب أن تعلم عن ملأ من الناس كان هذا ؟ فخرج لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون ، فكأنما فقدوا أبكار أولادهم قال ابن عباس : فرأيت البشر في وجهه " قوله : ( الصنع ) بفتح المهملة والنون

وفي رواية ابن فضيل عن حصين عند ابن أبي شيبة وابن سعد الصناع بتخفيف النون قال أهل اللغة : رجل صنع اليد واللسان وامرأة صناع وحكى أبو يزيد : الصناع والصنع يقعان معا على الرجل والمرأة قوله : ( لم يجعل ميتتي ) بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة أي فوقية : أي قتلتي وفي رواية الكشميهني " منيتي " بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتانية

قوله : ( رجل يدعي الإسلام ) في رواية ابن شهاب : " فقال : الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله لسجدة سجدها له قط " وفي رواية مبارك بن فضالة : " يحاجني يقول : لا إله إلا الله " وفي حديث جابر : " فقال عمر : لا تعجلوا على الذي قتلني ، فقيل : إنه قد قتل نفسه ، فاسترجع عمر ، فقيل له : إنه أبو لؤلؤة ، فقال : الله أكبر " قوله : ( قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة ) في رواية ابن سعد ، فقال عمر : " هذا من عمل أصحابك ، كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي فغلبتموني " وروى عمر بن شبة من طريق ابن سيرين قال : " بلغني أن العباس قال لعمر لما قال : لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصيف : إن عمل أهل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج " قوله : ( إن شئت فعلت . . . إلخ ) قال ابن التين : إنما قال له ذلك لعلمه بأن عمر لا يأمره بقتلهم

قوله : ( كذبت . . . إلخ ) هو على ما ألف من شدة عمر في الدين لأنه فهم من ابن عباس أن مراده : إن شئت قتلناهم ، فأجابه بذلك ، وأهل الحجاز يقولون : كذبت في موضع أخطأت ، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم [ ص: 60 ] يسلم منهم

قوله : ( فأتي بنبيذ فشربه ) زاد في حديث أبي رافع " لينظر ما قدر جرحه " قوله : ( فخرج من جرحه ) هذه رواية الكشميهني وهي الصواب ورواية غيره : " فخرج من جوفه " وفي رواية أبي رافع " فخرج النبيذ فلم يدر أنبيذ هو أم دم " وفي روايته أيضا : " فقال : لا بأس عليك يا أمير المؤمنين ، فقال : إن يكن القتل بأسا فقد قتلت " والمراد بالنبيذ المذكور تمرات نبذن في ماء : أي نقعت فيه كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء ، وسيأتي الكلام عليه قوله : ( وجاء رجل شاب ) في رواية للبخاري في الجنائز : " وولج عليه شاب من الأنصار " وفي إنكار عمر على الشاب المذكور استرسال إزاره مع ما هو فيه من مكابدة الموت أعظم دليل على صلابته في الدين ومراعاته لمصالح المسلمين

قوله : ( وقدم ) بفتح القاف وكسرها ، فالأول بمعنى الفضل ، والثاني بمعنى السبق قوله : ( ثم شهادة ) بالرفع عطفا على ما قد علمت لأنه مبتدأ وخبره لك المتقدم ، ويجوز عطفه على صحبة فيكون مجرورا ، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لمحذوف ، وفي رواية جرير : " ثم الشهادة بعد هذا كله " قوله : ( لا علي ولا لي ) أي سواء بسواء . قوله : ( أنقى لثوبك ) بالنون ثم القاف للأكثر ، وبالموحدة بدل النون للكشميهني . قوله : ( فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ) ونحوه في حديث جابر " ثم قال : يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثلاثين ألفا فتضعها في بيت مال المسلمين ، فسأل عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أنفقتها في حجج حججتها وفي نوائب كانت تنوبني ، وعرف بهذا جهة دين عمر " ووقع في أخبار المدينة لمحمد بن الحسن بن زبالة أن دين عمر كان ستة وعشرين ألفا ، وبه جزم عياض

قال الحافظ والأول هو المعتمد قوله : ( فإن وفى له مال آل عمر ) كأنه يريد نفسه ، ومثله يقع في كلامهم كثيرا ، ويحتمل أن يريد رهطه . قوله : ( وإلا فسل في بني عدي بن كعب ) هو البطن الذي هو منهم وقريش قبيلته قوله : ( لا تعدهم ) بسكون العين : أي لا تتجاوزهم وقد أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين فروى عمر بن شبة في كتاب المدينة بإسناد صحيح أن نافعا قال : من أين يكون على عمر دين ؟ وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف ؟ ا هـ

قال في الفتح : وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين ، فقد يكون الشخص كثير المال ولا يستلزم نفي الدين عنه ، فلعل نافعا أنكر أن يكون دينه لم يقض قوله : ( فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا ) قال ابن التين : إنما قال ذلك عندما أيقن بالموت ، أشار بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين وأشار ابن التين أيضا إلى أنه أراد أن تعلم أن سؤاله لها بطريق الطلب لا بطريق الأمر

قوله : ( ولأوثرنه ) استدل [ ص: 61 ] بذلك على أنها كانت تملك البيت وفيه نظر بل الواقع أنها كانت تملك منفعة بالسكنى فيه والإسكان ولا يورث عنها ، وحكم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كالمعتدات لأنهن لا يتزوجن بعده صلى الله عليه وسلم قوله : ( ارفعوني ) أي من الأرض كأنه كان مضطجعا فأمرهم أن يقعدوه قوله : ( فأسنده رجل إليه ) قال الحافظ في الفتح : لم أقف على اسمه ، ويحتمل أنه ابن عباس قوله : ( فإن أذنت لي فأدخلوني ) ذكر ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك أن عمر كان يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه وأن ترجع عن ذلك بعد موته ، فأراد أن لا يكرهها على ذلك

قوله : ( فولجت عليه ) أي دخلت على عمر ، في رواية الكشميهني " فبكت " وفي رواية غيره : " فمكثت " وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب أنها قالت : " يا صاحب رسول الله ، يا صهير رسول الله ، يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : لا صبر لي على ما أسمع أحرج عليك بما لي من الحق عليك أن تندبيني بعد مجلسك هذا ، فأما عيناك فلن أملكهما " قوله : ( فولجت داخلا لهم ) أي مدخلا كان في الدار قوله : ( أوص يا أمير المؤمنين استخلف ) في البخاري في كتاب الأحكام منه أن الذي قال ذلك هو عبد الله بن عمر

قوله : ( من هؤلاء النفر أو الرهط ) شك من الراوي قوله : ( فسمى عليا . . . إلخ ) قد استشكل اقتصاره على هؤلاء الستة من العشرة المبشرين بالجنة وأجيب بأنه أحدهم وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبله ، وأما سعيد بن زيد فلما كان ابن عم عمر لم يسمه فيهم مبالغة في التبري من الأمر

وصرج المدائني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه وقال : " لا أرب لي في أموركم فأرغب فيها لأحد من أهلي " قوله : ( يشهدكم عبد الله بن عمر . . . إلخ ) في رواية للطبري : " فقال له رجل : استخلف عبد الله بن عمر قال : والله ما أردت الله بهذه " وأخرج نحوه ابن سعد بإسناد صحيح من مرسل النخعي ، ولفظه : " فقال عمر : قاتلك الله ، والله ما أردت الله بهذا أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته " قوله : ( كهيئة التعزية له ) أي لابن عمر لأنه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المشاورة وزعم الكرماني أن هذا من كلام الراوي لا من كلام عمر قوله : ( الإمرة ) بكسر الهمزة ، وللكشميهني " الإمارة " زاد المدائني " وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا علي أو عثمان ; فإن ولي عثمان فرجل فيه لين ، وإن ولي علي فستختلف عليه الناس " قوله : ( بالمهاجرين الأولين ) هم من صلى للقبلتين

وقيل : من شهد بيعة الرضوان قوله : ( الذين تبوءوا ) أي سكنوا المدينة قبل الهجرة ، وادعى بعضهم أن الإيمان المذكور هنا من أسماء المدينة وهو بعيد قال الحافظ : والراجح أنه [ ص: 62 ] ضمن تبوءوا هنا معنى لزموا ، أو عامل نصبه محذوف تقديره واعتقدوا أو أن الإيمان لشدة ثبوته في قلوبهم كأنه أحاط بهم فكأنهم نزلوه

قوله : ( فهم ردء الإسلام ) أي عون الإسلام الذي يدفع عنه وغيظ العدو : أي يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم قوله : ( إلا فضلهم ) أي إلا ما فضل عنهم قوله : ( من حواشي أموالهم ) أي ما ليس بخيار ; والمراد بذمة الله أهل الذمة ; والمراد بالقتال من ورائهم : أي إذا قصدهم عدو قوله : ( فانطلقنا ) في رواية الكشميهني " فانقلبنا " أي رجعنا قوله : ( فوضع هنالك مع صاحبيه ) قد اختلف في صفة القبور الثلاثة المكرمة ، فالأكثر على أن قبر أبي بكر وراء قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر ، وقيل : إن قبره صلى الله عليه وسلم تقدم إلى القبلة ، وقبر أبي بكر حذاء منكبيه ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر

وقيل : قبر أبي بكر عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر وقيل غير ذلك قوله : ( اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم ) أي في الاختيار ليقل الاختلاف ، كذا قال ابن التين ، وصرح ابن المدائني في روايته بخلاف ذلك قوله : ( والله عليه والإسلام ) بالرفع فيهما والخبر محذوف : أي عليه رقيب أو نحو ذلك

قوله : ( أفضلهم في نفسه ) أي في معتقده ، زاد المدائني في رواية : " فقال عثمان : أنا أول من رضي وقال علي : أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تخصن ذا رحم ، فقال : نعم " قوله : ( فأسكت ) بضم الهمزة وكسر الكاف كأن مسكتا أسكتهما ، ويجوز فتح الهمزة والكاف ، أو هو بمعنى سكت ، والمراد بالشيخين علي وعثمان

قوله : ( فأخذ بيد أحدهما ) هو علي ، والمراد بالآخر في قوله : " ثم خلا بالآخر " هو عثمان كما يدل على ذلك سياق الكلام قوله : ( والقدم ) بكسر القاف وفتحها كما تقدم ، زاد المدائني " أن عبد الرحمن قال لعلي : أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط ، قال : عثمان ، ثم قال لعثمان كذلك ، فقال : علي " وزاد أيضا : " أن سعدا أشار على عبد الرحمن بعثمان ، وأنه دار تلك الليالي كلها على الصحابة ، ومن وافى المدينة من أشراف الناس ، لا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان " وفي هذا الأثر دليل على أنه يجوز جعل أمر الخلافة شورى بين جماعة من أهل الفضل والعلم والصلاح ، كما يجوز الاستخلاف وعقد أهل الحل والعقد

قال النووي وغيره : أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف ، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره ، وعلى جواز جعل الخلافة شورى بين عدد محصور أو غيره وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة ، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل وخالف بعضهم كالأصم وبعض الخوارج فقالوا : لا يجب نصب الخليفة وخالف بعض المعتزلة فقالوا : يجب بالعقل لا بالشرع ، وهما باطلان ، وللكلام موضع غير هذا

التالي السابق


الخدمات العلمية