صفحة جزء
باب التدبير 2605 - ( عن جابر : { أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه } متفق عليه ، وفي لفظ قال : { أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين ، فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمان مائة درهم ، فأعطاه فقال : اقض دينك ، وأنفق على عيالك } رواه النسائي ) .

2606 - ( وعن محمد بن قيس بن الأحنف عن أبيه عن جده : أنه أعتق غلاما له عن دبر وكاتبه ، فأدى بعضا وبقي بعض ومات مولاه ، فأتوا ابن مسعود فقال : ما أخذ فهو له ، وما بقي فلا شيء لكم رواه البخاري في تاريخه )


حديث جابر أخرجه أيضا الأربعة وابن حبان والبيهقي من طرق كثيرة بألفاظ متنوعة ، وفي الباب عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا عند البيهقي بلفظ : { المدبر من الثلث } ورواه الشافعي ، والحفاظ يوقفونه على ابن عمر ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ : { المدبر لا يباع ولا يوهب وهو جزء من الثلث } وفي إسناده عبيد بن حسان وهو منكر الحديث وقال الدارقطني في العلل : الأصح وقفه وقال العقيلي : لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث وقال أبو زرعة : الموقوف أصح وقال ابن القطان : المرفوع ضعيف وقال البيهقي : الصحيح موقوف وقد روي نحوه عن علي موقوفا عليه وعن أبي قلابة مرسلا { أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر ، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم من الثلث } وروى الشافعي والحاكم عن عائشة " أنها باعت مدبرة سحرتها "

قوله : ( أن رجلا ) في مسلم أنه أبو مذكور الأنصاري والغلام اسمه يعقوب ولفظ أبي داود { أن رجلا يقال له : أبو مذكور أعتق غلاما يقال له : يعقوب } ا هـ وهو يعقوب القسطي كما في رواية مسلم وابن أبي شيبة

قوله : ( عن دبر ) بضم الدال والموحدة وهو العتق في دبر الحياة كأن يقول السيد لعبده : أنت حر بعد موتي ، أو إذا مت فأنت حر ; وسمي السيد مدبرا بصيغة اسم الفاعل لأنه دبر أمر دنياه باستخدامه ذلك المدبر واسترقاقه ودبر أمر آخرته بإعتاقه وتحصيل أجر العتق . قوله : ( فاشتراه نعيم بن عبد الله ) في رواية للبخاري نعيم بن النحام بالنون [ ص: 108 ] والحاء المهملة المشددة وهو لقب والد نعيم

وقيل : إنه لقب لنعيم ، وظاهر الرواية خلاف ذلك والحديث يدل على جواز بيع المدبر مطلقا من غير تقييد بالفسق والضرورة ، وإليه ذهب الشافعي وأهل الحديث ، ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء وحكى النووي عن الجمهور أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقا والحديث يرد عليهم وروي عن الحنفية والمالكية أنه لا يجوز بيع المدبر تدبيرا مطلقا لا المدبر تدبيرا مقيدا نحو أن يقول : إن مت من مرضي هذا ففلان حر ، فإنه يجوز بيعه لأنه كالوصية فيجوز الرجوع فيه كما يجوز الرجوع فيها

وقال أحمد : يمتنع بيع المدبرة دون المدبر وقال الليث : يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه وقال ابن سيرين : لا يجوز بيعه إلا من نفسه وقال مالك وأصحابه : لا يجوز بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع له قال النووي : وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما باعه لينفقه سيده على نفسه ، ولعله لم يقف على رواية النسائي التي ذكرها المصنف ، نعم ، لا وجه لقصر جواز البيع على حاجة قضاء الدين ، بل يجوز البيع لها ولغيرها من الحاجات ، والرواية المذكورة قد تضمنت أن الرجل المذكور كان محتاجا للبيع لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده

وقد ذهب إلى جواز البيع لمطلق الحاجة عطاء والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب ، كما حكي ذلك عنهم في البحر ، وإليه مال ابن دقيق العيد ، فقال : من منع البيع مطلقا كان الحديث حجة عليه ، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي ، ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول : قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور وأجاب من أجازه مطلقا بأن قوله في الحديث : " وكان محتاجا " لا مدخل له في الحكم ، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز البيع ولا يخفى أن في الحديث إيماء إلى المقتضي لجواز البيع بقوله : " فاحتاج " وبقوله : " اقض دينك وأنفق على عيالك " لا يقال : الأصل جواز البيع والمنع منه يحتاج إلى دليل ، ولا يصلح لذلك حديث الباب ، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة ولا دليل على اعتبارها في غيره ، بل مجرد ذلك الأصل كاف في الجواز لأنا نقول : قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق فصار الدليل بعده على مدعي الجواز ، ولم يرد الدليل إلا في صورة الحاجة فيبقى ما عداها على أصل المنع

وأما ما ذهب إليه الهادوية من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة ، فليس على ذلك دليل إلا ما تقدم عن عائشة من بيعها للمدبرة التي سحرتها ، وهو مع كونه أخص من الدعوى لا يصلح للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول الصحابي وفعله ليس بحجة واعلم أنها قد اتفقت طرق هذا الحديث على أن البيع وقع في حياة السيد ، إلا ما أخرجه الترمذي بلفظ : { أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات } وكذلك رواه الأئمة أحمد [ ص: 109 ] وإسحاق وابن المديني والحميدي وابن أبي شيبة عن ابن عيينة ووجه البيهقي الرواية المذكورة بأن أصلها { أن رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث ، فمات فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فباعه من نعيم } كذلك رواه مطر الوراق عن عمر

وقال البيهقي : فقوله : " فمات " من بقية الشرط : أي فمات من ذلك الحدث ، وليس إخبارا عن أن المدبر مات ، فحذف من رواية ابن عيينة قوله : " إن حدث به حدث " فوقع الغلط بسبب ذلك ا هـ

وقد استدل بحديث الباب وما في معناه على مشروعية التدبير ، وذلك مما لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث ; فذهب الفريقان من الشافعية والحنفية ومالك والعترة ، وهو مروي عن علي وعمر أنه ينفذ من الثلث ، واستدلوا بما قدمنا من قوله صلى الله عليه وسلم : " وهو حر من الثلث " وذهب ابن مسعود والحسن البصري وابن المسيب والنخعي وداود ومسروق إلى أنه ينفذ من رأس المال قياسا على الهبة وسائر الأشياء التي يخرجها الإنسان من ماله في حال حياته

واعتذروا عن الحديث الذي احتج به الأولون بما فيه من المقال المتقدم ولكنه معتضد بالقياس على الوصية ، ولا شك أنه بالوصية أشبه منه بالهبة لما بينه وبين الوصية من المشابهة التامة . قوله : ( ما أخذ فهو له وما بقي فلا شيء لكم ) استدل به القاضي زيد والهادوية على أن الكتابة لا يبطل بها التدبير ، ويعتق العبد عندهم بالأسبق منهما

وقال المنصور بالله : لا تصح الكتابة بعد التدبير لأنها بيع فلا تصح إلا حيث يصح البيع ورد بأن ذلك تعجيل للعتق مشروط

التالي السابق


الخدمات العلمية