صفحة جزء
باب إجابة الداعي 2749 - ( عن أبي هريرة قال : { شر الطعام طعام الوليمة تدعى لها الأغنياء وتترك الفقراء ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله } . متفق عليه .

وفي رواية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله } . رواه مسلم ) .

2750 - ( وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها } ، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ، ويأتيها وهو صائم متفق عليه .

وفي رواية : { إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها } متفق عليه . ورواه أبو داود [ ص: 212 ] وزاد : { فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليدع } وفي رواية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا } رواه أبو داود .

وفي لفظ : { إذا دعا أحدكم أخاه فليجب } رواه أحمد ومسلم وأبو داود وفي لفظ : { إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب } .

وفي لفظ : { من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب } رواهما مسلم وأبو داود ) .

2751 - ( وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك } رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وقال فيه : " وهو صائم " ) .

2752 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان صائما فليصل ، وإن كان مفطرا فليطعم } رواه أحمد ومسلم وأبو داود .

وفي لفظ : { إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم فليقل : إني صائم } رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي ) .

2753 - ( وعن أبي هريرة { عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا دعي أحدكم إلى الطعام ، فجاء مع الرسول فذلك له إذن } رواه أحمد وأبو داود ) .


الرواية التي انفرد بها أبو داود بلفظ : { ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا } . . . إلخ في إسنادها أبان بن طارق البصري ، سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال : شيخ مجهول . وقال أبو أحمد بن عدي : وأبان بن طارق لا يعرف إلا بهذا الحديث ، وهذا الحديث معروف به وليس له أنكر من هذا الحديث .

وفي إسناده أيضا درست بن زياد ولا يحتج بحديثه ، ويقال : هو درست بن حمزة ، وقيل : بل هما اثنان ضعيفان .

وحديث أبي هريرة الآخر رجال إسناده ثقات ; لكنه قال أبو داود : يقال : قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئا . قوله : { شر الطعام طعام الوليمة } إنما سماه شرا لما ذكر عقبه ، فكأنه قال : شر الطعام الذي شأنه كذا .

وقال الطيبي : اللام في الوليمة للعهد إذ كان من عادة الجاهلية أن يدعوا الأغنياء ويتركوا الفقراء ، وقوله : " يدعى " . . . إلخ ، استئناف وبيان لكونها شر الطعام . وقال [ ص: 213 ] البيضاوي : " من " مقدرة ، كما يقال : شر الناس من أكل وحده : أي من شرهم . قوله : ( تدعى . . . إلخ ) الجملة في موضع الحال . ووقع في رواية للطبراني من حديث ابن عباس : { بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجوعان } . قوله : ( فقد عصى الله ورسوله ) احتج بهذا من قال بوجوب الإجابة إلى الوليمة ; لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب . وقد نقل ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة لوليمة العرس .

قال في الفتح : وفيه نظر ، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب ، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ، ونص عليه مالك . وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة . وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب . وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية .

وحكي في البحر عن العترة والشافعي أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها ، ولم يحك الوجوب إلا عن أحد قولي الشافعي ، فانظر كم التفاوت بين من حكى الإجماع على الوجوب وبين من لم يحكه إلا عن قول لبعض العلماء ، والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب ، ولجعل الذي لم يجب عاصيا ، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور ، وأما في غيرها من الولائم الآتية ، فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعا كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة .

لا يقال : ينبغي حمل مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر المذكورة بلفظ : { إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب } . لأنا نقول : ذلك غير ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ { من دعي إلى عرس أو نحوه } وأيضا قوله : { من لم يجب الدعوة فقد عصى الله } يدل على وجوب الإجابة إلى غير وليمة العرس . قال في الفتح : وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة ، وهي بفتح الدال على المشهور ، وضمها قطرب في مثلثاته وغلطوه في ذلك على ما قال النووي .

وقال في الفتح أيضا في باب آخر : والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولا . قال : وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد ، انتهى . ويجاب أولا بأن هذا مصادرة على المطلوب ; لأن الوليمة المطلقة هي محل النزاع . وثانيا بأن في أحاديث الباب ما يشعر بالإجابة إلى كل دعوة ، ولا يمكن فيه ما ادعاه في الدعوة وذلك نحو ما في رواية ابن عمر بلفظ : " من دعي فلم يجب فقد عصى الله " وكذلك قوله : { من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب } وقد ذهب إلى وجوب الإجابة مطلقا بعض الشافعية ، ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة . وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين . وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية ، وبالغ السرخسي منهم ، فنقل فيه الإجماع . وحكاه [ ص: 214 ] صاحب البحر عن العترة ، ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون لما عرفت . قال في الفتح بعد أن حكى وجوب الإجابة إلى وليمة العرس : إن شرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا ، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء ، وأن لا يظهر قصد التودد لشخص لرغبة فيه أو رهبة منه ، وأن يكون الداعي مسلما على الأصح ، وأن يختص باليوم الأول على المشهور ، وأن لا يسبق ، فمن سبق تعينت الإجابة له دون الثاني ، وأن لا يكون هناك ما يتأذى بحضوره من منكر أو غيره ، وأن لا يكون له عذر ، وسيأتي البحث عن أدلة هذه الأمور إن شاء الله تعالى .

قوله : ( دخل سارقا وخرج مغيرا ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة اسم فاعل من أغار يغير : إذا نهب مال غيره ، فكأنه شبه دخوله على الطعام الذي لم يدع إليه بدخول السارق الذي يدخل بغير إرادة المالك لأنه اختفى بين الداخلين ، وشبه خروجه بخروج من نهب قوما وخرج ظاهرا بعدما أكل ، بخلاف الدخول فإنه دخل مختفيا خوفا من أن يمنع ، وبعد الخروج قد قضى حاجته فلم يبق له حاجة إلى التستر .

قوله : ( فإن شاء طعم ) بفتح الطاء وكسر العين : أي أكل . قوله : ( وإن شاء ترك ) فيه دليل على أن نفس الأكل لا يجب على المدعو في عرس أو غيره ، وإنما الواجب الحضور . وصحح النووي وجوب الأكل ورجحه أهل الظاهر ، ولعل متمسكه في الرواية الأخرى من قوله : " وإن كان مفطرا فليطعم " . قوله : ( فإن كان صائما فليصل ) وقع في رواية هشام بن حسان في آخره " والصلاة : الدعاء " ويؤيده ما وقع عند أبي داود من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع في آخر الحديث المرفوع : { فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليدع } وهو يرد قول بعض الشراح أنه محمول على ظاهره ، وأن المراد فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها . ويرده أيضا حديث : { لا صلاة بحضرة طعام } .

وفي الحديث دليل على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه الأكل ، ولكن هذا بعد أن يقول للداعي : إني صائم ، كما في الرواية الأخرى فإن عذره من الحضور بذلك وإلا حضر ، وهل يستحب له أن يفطر إن كان صومه تطوعا ؟ قال أكثر الشافعية وبعض الحنابلة : إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالأفضل الفطر وإلا فالصوم . وأطلق الروياني استحباب الفطر ، وهذا على رأي من يجوز الخروج من صوم النفل . وأما من يوجب الاستمرار فيه بعد التلبس به فلا يجوزه .

قوله : ( فذلك إذن له ) فيه دليل على أنه لا يجب الاستئذان على المدعو إذا كان معه رسول الداعي وأن كون الرسول معه بمنزلة الإذن .

التالي السابق


الخدمات العلمية