صفحة جزء
كتاب الظهار [ ص: 307 ] عن سلمة بن صخر قال { : كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري ، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتايع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع ، فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف إلي منها شيء ، فوثبت عليها ، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت لهم : انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمري ، فقالوا : والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها ، ولكن اذهب أنت واصنع ما بدا لك ، فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري ، فقال لي : أنت بذاك ؟ فقلت : أنا بذاك ، فقال : أنت بذاك ؟ قلت : أنا بذاك ، فقال : أنت بذاك ؟ قلت : نعم ها أنا ذا فامض في حكم الله عز وجل فأنا صابر له ، قال : أعتق رقبة فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت : لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : قلت : يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم ؟ قال : فتصدق ، قال : قلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا عشاء ، قال : اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك ، قال : فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة ، وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي . قال : فدفعوها إليه } . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ) .


الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود . وقد أعله عبد الحق بالانقطاع وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمة . وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري ، وفي إسناده أيضا محمد بن إسحاق قوله : ( ظاهرت من امرأتي ) الظهار بكسر الظاء المعجمة اشتقاقه من الظهر ، وهو قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي . قال في الفتح : [ ص: 308 ] وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبا ، ولذلك سمي المركوب ظهرا فشبهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل . وقد ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم كما ورد في القرآن .

وفي حديث خولة التي ظاهر منها أوس ، فلو قال : كظهر أختي ، مثلا لم يكن ظهارا ، وكذا لو قال : كظهر أبي .

وفي رواية عن أحمد . أنه ظهار وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة

وحكى في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وزيد بن علي والناصر والإمام يحيى والشافعي في أحد قوليه أنه يقاس المحارم على الأم ولو من رضاع ، إذ العلة التحريم المؤبد . وعن ابن القاسم من أصحاب مالك : ولو من الرجال . وعن مالك وأحمد والبتي وغير المؤيد : فيصح بالأجنبيات . قوله ( فرقا ) بفتح الفاء والراء . قوله : ( فأتتايع ) بتاءين فوقيتين وبعد الألف ياء : وهو الوقوع في الشر قوله : ( فقال لي أنت بذاك ) لعل هذا التكرير للمبالغة في الزجر لا أنه شرط في إقرار المظاهر ، ومن ههنا يلوح أن مجرد الفعل لا يصح الاستدلال به على الشرطية كما سيأتي في الإقرار بالزنى . قوله : ( أعتق رقبة ) ظاهره عدم اعتبار كونها مؤمنة ، وبه قال عطاء والنخعي وزيد بن علي وأبو حنيفة وأبو يوسف

وقال مالك والشافعي وأكثر العترة : لا يجوز ولا يجزي إعتاق الكافر لأن هذا مطلق مقيد بما في كفارة القتل من اشتراط الإيمان ، وأجيب بأن تقييد حكم بما في حكم آخر مخالف له لا يصح ، وتحقيق الحق في ذلك محرر في الأصول ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام حديث معاوية بن الحكم السلمي فإنه { لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إعتاق جاريته عن الرقبة التي عليه ، قال لها : أين الله ؟ فقالت : في السماء ، فقال : من أنا ؟ فقالت : رسول الله ، قال : فأعتقها فإنها مؤمنة } ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، وظاهر إطلاق الرقبة أنها تجزي المعيبة . وقد حكاه في البحر عن أكثر العترة وداود

وحكي عن المرتضى والفريقين ومالك أنها لا تجزي . قوله : ( فصم شهرين ) ظاهره أن حكم العبد حكم الحر في ذلك . وقد نقل ابن بطال : الإجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه ، وأن كفارته بالصيام شهران كالحر . واختلفوا في الإطعام والعتق ، فقال الكوفيون والشافعي والهادوية : لا يجزيه إلا الصيام فقط . وقال ابن القاسم عن مالك : إذا أطعم بإذن مولاه أجزأه . قال : وما ادعاه ابن بطال من الإجماع مردود ، فقد نقل الشيخ الموفق في المغني عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد لأن الله تعالى قال : { فتحرير رقبة } والعبد لا يملك الرقبة وتعقب بأن تحرير الرقبة إنما هو على من يجدها فكان كالمعسر ففرضه الصيام

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن إبراهيم أنه لو صام العبد شهرا أجزأ عنه . قوله : ( وحشا ) لفظ أبي داود [ ص: 309 ] وحشين ) قال في النهاية : يقال رجل وحش بالسكون : إذا كان جائعا لا طعام له . وقد أوحش : إذا جاع . قوله : ( بني زريق ) بتقديم الزاي على الراء . قوله : ( ستين مسكينا ) فيه دليل على أنه يجزي من لم يجد رقبة ولم يقدر على الصيام لعلة أن يطعم ستين مسكينا . وقد حكى صاحب البحر الإجماع على ذلك . وحكى أيضا الإجماع على أن الكفارة في الظهار واجبة على الترتيب . وظاهر الحديث أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا ، ولا يجزي إطعام دونهم ، وإليه ذهب الشافعي ومالك والهادوية . وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والناصر : إنه يجزي إطعام واحد ستين يوما . قوله : ( فأطعم عنك منها وسقا ) في رواية " فأطعم عرقا من تمر ستين مسكينا " وسيأتي الاختلاف في العرق في حديث خولة . وقد أخذ بظاهر حديث الباب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والهادوية

والمؤيد بالله ، فقالوا : الواجب لكل مسكين صاع من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر . وقال الشافعي : وهو مروي عن أبي حنيفة أيضا : إن الواجب لكل مسكين مد ، وتمسكوا بالروايات التي فيها ذكر العرق وتقديره بخمسة عشر صاعا وسيأتي ، واختلفت الرواية عن مالك . وظاهر الحديث أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بما يكفر به بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبة ولا يتمكن من إطعام ولا يطيق الصوم ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه ، وذهب قوم إلى السقوط ، وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا : تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات

2894 - ( وعن سلمة بن صخر { عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن يكفر ، قال : كفارة واحدة } رواه ابن ماجه والترمذي ) .

2895 - ( وعن أبي سلمة عن سلمة بن صخر : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا ، فقال : أطعمه ستين مسكينا ، وذلك لكل مسكين مد } رواه الدارقطني وللترمذي معناه ) .

2896 - ( وعن عكرمة عن ابن عباس : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها ، فقال : يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن [ ص: 310 ] أكفر ، فقال : ما حملك على ذلك يرحمك الله ؟ قال : رأيت خلخالها في ضوء القمر ، قال : فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله } رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي ، وهو حجة في تحريم الوطء قبل التكفير بالإطعام وغيره . ورواه أيضا النسائي عن عكرمة مرسلا وقال فيه : { فاعتزلها حتى تقضي ما عليك } وهو حجة في ثبوت كفارة الظهار في الذمة )

حديث سلمة الأول حسنه الترمذي . وحديثه الثاني أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن سلمة بن صخر البياضي الحديث .

وحديث ابن عباس أخرجه أيضا الحاكم وصححه ، قال الحافظ : ورجاله ثقات . لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال . وقال ابن حزم : رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله . وأخرج البزار شاهدا له من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس { أن رجلا قال : يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي ، فرأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر ، فقال : كفر ولا تعد } وقد بالغ أبو بكر بن العربي فقال : ليس في الظهار حديث صحيح . قوله : ( قال كفارة واحدة ) قال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال بعضهم : إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي

قوله : ( فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ) فيه دليل على أنه يحرم على الزوج الوطء قبل التكفير وهو الإجماع وأن الكفارة واجبة عليه لا تسقط بالوطء قبل إخراجها . وروى سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطئ قبل التكفير ثلاث كفارات . وذهب الزهري وسعيد بن جبير وأبو يوسف إلى سقوط الكفارة بالوطء .

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه يجب عليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي كما سلف . وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة مطلقا وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم . واختلف في مقدمات الوطء هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئا منها قبل التكفير أم لا ؟ ، فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم هو الوطء وحده لا المقدمات

وذهب الجمهور إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء ، واستدلوا بقوله تعالى : { من قبل أن يتماسا } وهو يصدق على الوطء ومقدماته . وأجاب قال : بأن حكم المقدمات مخالف لحكم الوطء بأن المسيس كناية عن الجماع ، وقد قدمنا الكلام على ذلك في أبواب الوضوء . واعلم أنها تجب الكفارة بعد العود إجماعا لقوله تعالى: { ثم يعودون لما قالوا } واختلفوا هل العلة في وجوبها العود أو الظهار ؟ فذهب إلى الأول ابن عباس وقتادة والحسن [ ص: 311 ] وأبو حنيفة وأصحابه والعترة . وذهب إلى الثاني مجاهد والثوري . وقال الزهري وطاوس ومالك وأحمد بن حنبل وداود والشافعي : بل العلة مجموعهما . وقال الإمام يحيى : إن العود شرط كالإحصان مع الزنى . واختلفوا في العود ما هو ؟ فقال قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأصحابه والعترة : إنه إرادة المس لما حرم بالظهار ; لأنه إذا أراد فقد عاد عن عزم الترك إلى عزم الفعل سواء فعل أم لا . وقال الشافعي : بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ولم يطلق ، إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها ، وإمساكها نقيضه . وقال مالك وأحمد : بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ . وقال الحسن البصري وطاوس والزهري : بل هو الوطء نفسه . وقال داود وشعبة : بل إعادة لفظ الظهار .

2897 - ( وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت : { ظاهر مني أوس بن الصامت ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول : اتقي الله فإنه ابن عمك ، فما برح حتى نزل القرآن : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } إلى الفرض فقال : يعتق رقبة ، قالت : لا يجد ، قال : فيصوم شهرين متتابعين ، قالت : يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام ، قال : فليطعم ستين مسكينا ، قالت : ما عنده من شيء يتصدق به ، قالت : فأتي ساعتئذ بعرق من تمر ، قالت : يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر ، قال : قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك والعرق ستون صاعا } . رواه أبو داود . ولأحمد معناه لكنه لم يذكر قدر العرق وقال فيه : فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر . ولأبي داود في رواية أخرى : والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا . وقال : هذا أصح . وله عن عطاء عن أوس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ستين مسكينا . وهذا مرسل . قال أبو داود : عطاء لم يدرك أوسا ) حديث خولة سكت عنه أبو داود والمنذري ، وفي إسناده محمد بن إسحاق وسيأتي تمام الكلام على الإسناد .

وأخرج ابن ماجه والحاكم نحوه من حديث عائشة قالت " تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكرت الحديث ، وأصله في البخاري من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها . وأخرج أيضا أبو داود والحاكم عن عائشة من وجه آخر قالت : " كانت جميلة امرأة أوس بن الصامت وكان امرأ به لمم ، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته "

وحديث [ ص: 312 ] أوس أعله أبو داود بالإرسال كما ذكر المصنف . قوله : ( خولة بنت مالك ) وقع في تفسير أبي حاتم : خولة بنت الصامت ، قال الحافظ : وهو وهم ، والصواب : زوج ابن الصامت . ورجح غير واحد أنها خولة بنت الصامت بن ثعلبة . وروى الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ابن عباس أن المرأة خولة بنت خويلد ، وفي إسناده أبو حمزة اليماني وهو ضعيف ، وقال يوسف بن عبد الله بن سلام : إنها خولة ، وروي أنها بنت دليح ، كذا في الكاشف ، وفي رواية عائشة المتقدمة أنها جميلة . قوله : ( والعرق ستون صاعا ) هذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة ، قال الذهبي : لا يعرف ، ووثقه ابن حبان ، وفيها أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن ، والمشهور عرفا أن العرق يسع خمسة عشر صاعا كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه ، والكلام على ما يتعلق بحديث خولة من الفقه قد تقدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية