صفحة جزء
كتاب الحدود باب ما جاء في رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه [ ص: 104 ] عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا { : إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله ، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه : نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل قال : إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم رد ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها قال : فغدا عليها فاعترفت ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت } . رواه الجماعة . قال مالك : العسيف : الأجير ، ويحتج به من يثبت الزنا بالإقرار مرة ومن يقتصر على الرجم ) .

3093 - ( وعن أبي هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام ، وإقامة الحد عليه } ) .

3094 - ( وعن الشعبي { أن عليا رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواهما أحمد والبخاري ) .

3095 - ( وعن عبادة بن الصامت قال { : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا عني خذوا [ ص: 105 ] عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم } . رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي ) .

3096 - ( وعن جابر بن عبد الله { أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ، ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم } . رواه أبو داود ) .

3097 - ( وعن جابر بن سمرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك ولم يذكر جلدا } . رواه أحمد ) .


حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري ، وقد قدمنا في أول الكتاب أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به ، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين ، ورجال إسناده رجال الصحيح . وأخرجه أيضا النسائي .

وحديث جابر بن سمرة أخرجه أيضا البيهقي وأورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه ، وقد أخرجه أيضا البزار ، قال في مجمع الزوائد : في إسناده صفوان بن المغلس لم أعرفه وبقية إسناده ثقات ، وحديثه أصله في الصحيح وسيأتي . قوله : ( كتاب الحدود ) الحد لغة المنع ، ومنه سمي البواب حدادا وسميت عقوبات المعاصي حدودا لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها في الغالب . وأصل الحد الشيء الحاجز بين الشيئين ، ويقال على ما ميز الشيء من غيره ومنه حدود الدار والأرض ، ويطلق الحد أيضا على نفس المعصية ومنه { تلك حدود الله فلا تقربوها } وفي الشرع عقوبة مقدرة لأجل حق الله فيخرج التعزير لعدم تقديره والقصاص لأنه حق لآدمي

قوله : ( أنشدك الله ) بفتح الهمزة وسكون النون وضم المعجمة أي أذكرك الله . قوله : ( إلا قضيت لي بكتاب الله ) أي لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله فالفعل مؤول بالمصدر للضرورة ، أو بتقدير حرف المصدر فيكون الاستثناء مفرغا ، والمراد بكتاب الله ما حكم به الله على عباده سواء كان من القرآن أو على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل : المراد به القرآن فقط . قوله : ( وهو أفقه منه ) لعل الراوي عرف ذلك قبل الواقعة ، أو استدل بما وقع منه في هذه القضية على أنه أفقه من صاحبه . قوله : ( قال إن ابني . . . إلخ ) القائل هو الآخر الذي وصفه الراوي بأنه أفقه كما يشعر بذلك السياق . وقال الكرماني : إن القائل هو الأول ، ويدل على ذلك ما وقع في كتاب الصلح من صحيح البخاري بلفظ : " فقال الأعرابي : إن ابني " بعد قوله في الحديث : " جاء أعرابي " قال الحافظ : والمحفوظ ما في سائر الطرق

قوله : ( عسيفا [ ص: 106 ] على هذا ) بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة أيضا وتحتية وفاء كالأجير وزنا ومعنى ، وقد وقع تفسيره بذلك في صحيح البخاري مدرجا كما أشار إليه المصنف ، ووقع في رواية للنسائي بلفظ : " كان ابني أجيرا لامرأته " ويطلق العسيف على السائل والعبد والخادم ، والعسف في أصل اللغة الجور ، وسمي الأجير بذلك لأن المستأجر يعسفه على العهل : أي يجور عليه ومعنى قوله " على هذا " عند هذا . قوله : ( وإني أخبرت ) على البناء للمجهول . قوله : ( جلد مائة ) بالإضافة في رواية الأكثرين ، وقرئ بتنوين جلد ونصب مائة ، قال الحافظ : ولم يثبت رواية ، قوله : ( والغنم رد ) أي مردود ، وقد استدل بذلك على عدم حل الأموال المأخوذة في الصلح مع عدم طيبة النفس

قوله : ( وعلى ابنك جلد مائة ) حكمه صلى الله عليه وسلم بالجلد من دون سؤال عن الإحصان يشعر بأنه عالم بذلك من قبل . ووقع في رواية بلفظ : " وابني لم يحصن " . قوله : ( يا أنيس ) بضم الهمزة بعدها نون ثم تحتية ثم سين مهملة مصغرا . قال ابن عبد البر هو ابن الضحاك الأسلمي . وقيل : ابن مرشد . وقال ابن السكن في كتاب الصحابة : لم أدر من هو ولا ذكر إلا في هذا الحديث ، وغلط بعضهم فقال : إنه أنس بن مالك وليس الأمر كذلك فإن أنس بن مالك أنصاري وهذا أسلمي كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب . قوله : ( فإن اعترفت فارجمها ) فيه دليل لمن قال إنه يكفي الإقرار مرة واحدة ، وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق . وقد استشكل بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المرأة مع أمره لمن أتى الفاحشة الستر

وأجيب بأن بعثه صلى الله عليه وسلم إليها لم يكن لأجل إثبات الحد عليها بل لأنها لما قذفت بالزنا بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حد القذف . قوله : ( فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت ) في رواية الأكثرين فاعترفت فرجمها .

وفي رواية مختصرة : " فغدا عليها فرجمها " .

وفي رواية : " وأما امرأة هذا فترجم " والرواية المذكورة في الباب أتم من سائر الروايات لإشعارها بأن أنيسا أعاد جوابها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فرجمها . قال الحافظ : والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها ، ولكنه لا بد من أن يقال : إن أنيسا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غيره ممن يصح أن يثبت بشهادته حد الزنا ، لكنه اختصر ذلك في الرواية وإن كان قد استدل به البعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه غيره ، وأنيس قد فوض إليه النبي صلى الله عليه وسلم الحكم

وقد يجاب عنه بأنها واقعة عين ، ويحتمل أن يكون أنيس قد أشهد قبل رجمها . وقد حكى القاضي عياض عن الشافعي في قول وأبي ثور أنه يجوز للحاكم في الحدود أن يحكم بما أقر به الخصم عنده وأبى ذلك الجمهور . قوله : ( بنفي عام ) في هذا الحديث . وفي حديث أبي هريرة المذكور [ ص: 107 ] قبله . وفي حديث عبادة بن الصامت المذكور بعده دليل على ثبوت التغريب ووجوبه على من كان غير محصن . وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين . وقال ابن المنذر { : أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى ، ثم قال : إن عليه جلد مائة وتغريب عام } وهو المبين لكتاب الله تعالى

وخطب عمر بذلك على رءوس المنابر ، وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعا . وقد حكى القول بذلك صاحب البحر عن الخلفاء الأربعة وزيد بن علي والصادق وابن أبي ليلى والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والإمام يحيى وأحد قولي الناصر . وحكي عن القاسمية وأبي حنيفة وحماد أن التغريب والحبس غير واجبين ، واستدل لهم بقوله إذ لم يذكر في آية الجلد ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها } الحديث ، وهذا الاستدلال من الغرائب ، فإن عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدل على مطلق العدم . وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة بعضها ذكره المصنف في الباب وبعضها لم يذكر وليس بين هذا الذكر وبين عدمه في الآية منافاة ، وما أشبه هذا الاستدلال بما استدل به الخوارج على عدم ثبوت رجم المحصن فقالوا : لأنه لم يذكر في كتاب الله

وأغرب من هذا استدلاله بعدم ذكر التغريب في قوله : { إذا زنت أمة أحدكم } . والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن فليس لهم معذرة عنها بذلك وقد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة ، وحديث جواز الوضوء بالنبيذ وهما زيادة على ما في القرآن ، وليست هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئا حتى تتجه دعوى النسخ

وقد أجاب صاحب البحر عن أحاديث التغريب بأنه عقوبة لا حد ويجاب عن ذلك القول بموجبه ، فإن الحدود كلها عقوبات والنزاع في ثبوته لا في مجرد التسمية ، وأما الاستدلال بحديث سهل بن سعد عند أبي داود { أن رجلا من بكر بن ليث أقر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة وكان بكرا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة وسأله البينة على المرأة إذ كذبته فلم يأت بشيء فجلده حد الفرية ثمانين جلدة } قالوا : ولو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي صلى الله عليه وسلم - فيجاب عنه باحتمال أن يكون ذلك قبل مشروعية التغريب ، غاية الأمر احتمال تقدمه وتأخره على أحاديث التغريب ، والمتوجه عن ذلك المصير إلى الزيادة التي تقع منافية للمزيد ، ولا يصلح ذلك للصرف عن الوجوب إلا على فرض تأخره ولم يعلم ، وهكذا يقال في حديث : { إذا زنت أمة أحدكم } المتقدم

وبه يندفع ما قاله الطحاوي من أنه ناسخ للتغريب معللا ذلك بأنه إذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة لأنها في معناها ، [ ص: 108 ] قال : ويتأكد ذلك بأحاديث : { لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم } وقد تقدمت . قال : وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال . قال : وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال به وهو مذهب ضعيف انتهى . وغاية الأمر أنا لو سلمنا تأخر حديث الأمة عن أحاديث التغريب كان معظم ما يستفاد منه أن التغريب في حق الإماء ليس بواجب ولا يلزم ثبوت مثل ذلك في حق غيرها ، أو يقال : إن حديث الأمة المذكور مخصص لعموم أحاديث التغريب مطلقا على ما هو الحق من أنه يبنى العام على الخاص تقدم أو تأخر أو قارن ، ولكن ذلك التخصيص باعتبار عدم الوجوب في الخاص لا باعتبار عدم الثبوت مطلقا فإن مجرد الترك لا يفيد مثل ذلك ، وظاهر أحاديث التغريب أنه ثابت في الذكر والأنثى وإليه ذهب الشافعي

وقال مالك والأوزاعي : لا تغريب على المرأة لأنها عورة وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وظاهرها أيضا أنه لا فرق بين الحر والعبد ، وإليه ذهب الثوري وداود والطبري والشافعي في قول له والإمام يحيى ويؤيده قوله تعالى: { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } . وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينصف في حق الأمة والعبد قياسا على الحد وهو قياس صحيح .

وفي قول للشافعي أنه لا ينصف فيهما . وذهب مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق والشافعي في قول له وهو مروي عن الحسن إلى أنه لا تغريب للرق . واستدلوا بحديث : { إذا زنت أمة أحدكم } المتقدم ، وقد تقدم الجواب عن ذلك ، وسيأتي الحديث أيضا في باب السيد يقيم الحد على رقيقه .

وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن التغريب هو نفي الزاني عن محله سنة ، وإليه ذهب مالك والشافعي وغيرهما ممن تقدم ذكره . والتغريب يصدق بما يطلق عليه اسم الغربة شرعا ، فلا بد من إخراج الزاني عن المحل الذي لا يصدق عليه اسم الغربة فيه ، قيل وأقله مسافة قصر . وحكي في البحر عن علي وزيد بن علي والصادق والناصر في أحد قوليه أن التغريب هو حبس سنة . وأجاب عنه بأنه مخالف لوضع التغريب . وتعقبه صاحب ضوء النهار بأن مخالفة الوضع لا تنافي التجوز ، وهما مشتركان في فقد الأنيس ، قال : ومنه : { بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا } وجعل قرينة المجاز حديث النهي عن سفر المرأة مع غير محرم . ويجاب عن هذا التعقب بأن الواجب حمل الأحكام الشرعية على ما هي حقيقة فيه في لسان الشارع ولا يعدل عن ذلك إلى المجاز إلا لملجئ ولا ملجئ هنا فإن التغريب المذكور في الأحاديث شرعا هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يعد غريبا ، والمحبوس في وطنه لا يصدق عليه ذلك الاسم وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة الذين هم أعرف بمقاصد الشارع فقد غرب عمر من المدينة إلى الشام ، وغرب عثمان إلى مصر ، وغرب ابن عمر أمته إلى فدك

وأما النهي عن سفر المرأة فلا يصلح [ ص: 109 ] جعله قرينة على أن المراد بالتغريب هو الحبس أما أولا : فلأن النهي مقيد بعدم المحرم ، وأما ثانيا : فلأنه عام مخصوص بأحاديث التغريب ، وأما ثالثا : فلأن أمر التغريب إلى الإمام لا إلى المحدود ، ونهي المرأة عن السفر إذا كانت مختارة له ، وأما مع الإكراه من الإمام فلا نهي يتعلق بها . قوله : ( جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ) في هذا الحديث وكذلك في حديث عبادة المذكور بعده . وحديث جابر بن عبد الله دليل على أنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم . أما الرجم فهو مجمع عليه . وحكي في البحر عن الخوارج أنه غير واجب ، وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي ، وحكاه أيضا عن بعض المعتزلة كالنظام وأصحابه ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن ، وهذا باطل ; فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة الجمع عليها

وأيضا هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر عند الجماعة { أنه قال : كان مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده } ، ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم كما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس .

وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء : { إن فيما أنزل الله من القرآن : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة } . وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بن كعب بلفظ : { كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية الرجم : الشيخ والشيخة } الحديث ، وأما الجلد فقد ذهب إلى إيجابه على المحصن مع الرجم جماعة من العلماء منهم العترة وأحمد وإسحاق وداود الظاهري وابن المنذر تمسكا بما سلف . وذهب مالك والحنفية والشافعية وجمهور العلماء إلى أنه لا يجلد المحصن بل يرجم فقط وهو مروي عن أحمد بن حنبل ، وتمسكوا بحديث سمرة في أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد ماعزا بل اقتصر على رجمه ، قالوا : وهو متأخر عن أحاديث الجلد فيكون ناسخا لحديث عبادة بن الصامت المذكور

ويجاب بمنع التأخر المدعى فلا يصلح ترك جلد ماعز للنسخ لأنه فرع التأخر ولم يثبت ما يدل على ذلك ، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ذلك الترك مقتضيا لإبطال الجلد الذي أثبته القرآن على كل من زنى ، ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما هو صريح في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن كحديث عبادة المذكور ولا سيما وهو صلى الله عليه وسلم في مقام البيان والتعليم لأحكام الشرع على العموم بعد أن أمر الناس في ذلك المقام بأخذ ذلك الحكم عنه فقال : { خذوا عني خذوا عني } فلا يصح الاحتجاج بعدم نص الكتاب والسنة بسكوته صلى الله عليه وسلم في بعض المواطن أو عدم بيانه لذلك أو إهماله للأمر به ، وغاية ما في حديث سمرة أنه لم يتعرض لذكر جلده صلى الله عليه وسلم لماعز ومجرد هذا لا ينتهض لمعارضة ما هو في رتبته فكيف بما بينه وبينه ما بين السماء والأرض

وقد تقرر أن المثبت [ ص: 110 ] أولى من النافي ، ولا سيما كون المقام مما يجوز فيه أن الراوي ترك ذكر الجلد لكونه معلوما من الكتاب والسنة ، وكيف يليق بعالم أن يدعي نسخ الحكم الثابت كتابا وسنة بمجرد ترك الراوي لذلك الحكم في قضية عين لا عموم لها ، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول بعد موته صلى الله عليه وسلم بعدة من السنين لما جمع لتلك المرأة بين الرجم والجلد : " جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله " فكيف يخفى على مثله الناسخ وعلى من بحضرته من الصحابة الأكابر ؟ . وبالجملة إنا لو فرضنا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بترك جلد ماعز وصح لنا ذلك لكان على فرض تقدمه منسوخا ، وعلى فرض التباس المتقدم بالمتأخر مرجوحا ، ويتعين تأويله بما يحتمله من وجوه التأويل ، وعلى فرض تأخره غاية ما فيه أنه يدل على أن الجلد لمن استحق الرجم غير واجب لا غير جائز ، ولكن أين الدليل على التأخير

قال ابن المنذر : عارض بعضهم الشافعي فقال : الجلد ثابت على البكر بكتاب الله ، والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة ، وعمل به أمير المؤمنين علي ووافقه أبي وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه وكونه الأفضل انتهى . قد استدل الجمهور أيضا بعدم ذكر الجلد في رجم الغامدية وغيرها ، قالوا : وعدم ذكره يدل على عدم وقوعه ، وعدم وقوعه يدل على عدم وجوبه . ويجاب بمنع كون عدم الذكر يدل على عدم الوقوع ، لم لا يقال : إن عدم الذكر لقيام أدلة الكتاب والسنة القاضية بالجلد . وأيضا عدم الذكر لا يعارض صرائح الأدلة القاضية بالإثبات ، وعدم العلم ليس علما بالعدم ، ومن علم حجة على من لم يعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية