صفحة جزء
باب اعتبار تكرار الإقرار بالزنا أربعا 3101 - ( عن أبي هريرة قال { : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال : يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ قال : لا ، قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه ، قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال : كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه فرجمناه } . متفق عليه . وهو دليل على أن الإحصان [ ص: 114 ] يثبت بالإقرار مرة ، وأن الجواب بنعم إقرار ) .

3102 - ( وعن جابر بن سمرة قال { : رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل قصير أعضل ليس عليه رداء ، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك ؟ قال : لا والله إنه قد زنى الآخر فرجمه } رواه مسلم وأبو داود ، ولأحمد { : أن ماعزا جاء فأقر عند النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات فأمر برجمه } ) .

3103 - ( وعن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز بن مالك : ما بلغني عنك قال : وما بلغك عني ؟ قال : بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان ، قال : نعم ، فشهد أربع شهادات فأمر به فرجم } . ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه ، وفي رواية قال { : جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين ، فقال : شهدت على نفسك أربع مرات ، اذهبوا به فارجموه } . رواه أبو داود ) .

3104 - ( وعن أبي بكر الصديق قال { : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرة فرده ، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده ، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة فرده ، فقلت له : إنك إن اعترفت الرابعة رجمك ، قال : فاعترف الرابعة فحبسه ، ثم سأل عنه فقالوا : ما نعلم إلا خيرا قال : فأمر برجمه } ) .

3105 - ( وعن بريدة قال : كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه ، وإنما رجمه عند الرابعة . رواهما أحمد ) .

3106 - ( وعن بريدة أيضا قال : كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك ، لو رجعا بعد اعترافهما ، أو قال : لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما ، وإنما رجمهما بعد الرابعة . رواه أبو داود ) .


[ ص: 115 ] قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة منهم من ذكره المصنف ومنهم جماعة لم يذكرهم ، وقد اتفق عليها الشيخان من حديث أبي هريرة وابن عباس وجابر من دون تسمية صاحب القصة . وقد أطال أبو داود في سننه واستوفى طرقها .

وحديث أبي بكر أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار والطبراني ، وفي أسانيدهم كلهم جابر الجعفي وهو ضعيف .

وحديث بريدة الآخر أخرج نحوه النسائي ، وفي إسناده بشير بن مهاجر الكوفي الغنوي . وقد أخرج له مسلم ووثقه يحيى بن معين . وقال الإمام أحمد : منكر الحديث يجيء بالعجائب مرجئ متهم وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ، ولكنه يشهد لهذا الحديث حديثه الأول الذي ذكره المصنف . وحديث أبي بكر الذي قبله ، وكذلك الرواية الأخرى من حديث ابن عباس التي عزاها المصنف إلى أبي داود ; لأن قوله فيها : { شهدت على نفسك أربع مرات ، اذهبوا به فارجموه } يشعر بأن ذلك هو العلة في ثبوت الرجم وقد سكت أبو داود والمنذري عن هذه الرواية ورجالها رجال الصحيح .

قوله : ( أبك جنون ) وقع في رواية من حديث بريدة " فسأل : أبه جنون ؟ فأخبر بأنه ليس بمجنون " وفي لفظ : " فأرسل إلى قومه فقالوا : ما نعلم إلا أنه في العقل من صالحينا " وفي حديث أبي سعيد : " ما نعلم به بأسا " ويجمع بين هذه الروايات بأنه سأله أولا ثم سأل عنه احتياطا .

وفيه دليل على أنه يجب على الإمام الاستفصال والبحث عن حقيقة الحال ولا يعارض هذا عدم استفصاله صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف المتقدمة لأن عدم ذكر الاستفصال فيها لا يدل على العدم لاحتمال أن يقتصر الراوي على نقل بعض الواقع . قوله : ( فهل أحصنت ) بفتح الهمزة أي تزوجت . وقد روي في هذه القصة زيادات في الاستفصال ، منها في حديث ابن عباس عند البخاري والنسائي وأبي داود بلفظ { لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت } والمعنى أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنا على مقدماته وفي رواية لهم من حديث ابن عباس أيضا { أفنكتها ؟ قال : نعم } وسيأتي ذلك في باب استفسار المقر .

وفي رواية لمسلم وأبي داود من حديث بريدة { أنه صلى الله عليه وسلم قال له : أشربت خمرا ؟ قال : لا وفيه : فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحا } .

قوله : ( اذهبوا به فارجموه ) فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الإمام أول من يرجم وسيأتي الكلام على ذلك في باب إن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الإمام به .

وفيه أيضا دليل على أنه لا يجب الحفر للمرجوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك ، وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء في الحفر للمرجوم . قوله : ( فلما أذلقته الحجارة ) بالذال المعجمة والقاف أي بلغت منه الجهد . قوله : ( أعضل ) بالعين المهملة والضاد المعجمة أي ضخم عضلة الساق . قوله : ( إنه قد زنى الآخر ) هو مقصور بوزن الكبد أي الأبعد

قوله : ( فأقر عند النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات ) [ ص: 116 ] قد تطابقت الروايات التي ذكرها المصنف في هذا الباب على أن ماعزا أقر أربع مرات . ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ : " فاعترف ثلاث مرات " . ووقع عند مسلم من طريق شعبة عن سماك قال : " فرده مرتين " وفي أخرى " مرتين أو ثلاثا " قال شعبة : فذكرته لسعيد بن جبير ، فقال : إنه رده أربع مرات . وقد جمع بين الروايات بحمل رواية المرتين على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر

ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس قال : { جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين } كما في الرواية المذكورة في الباب ، فلعله اقتصر الراوي على ما وقع منه في أحد اليومين ، وأما رواية الثلاث فلعله اقتصر الراوي فيها على المرات التي رده فيها فإنه لم يرده في الرابعة بل استثبت وسأله عن عقله ثم أمر برجمه . قوله : ( لو رجعا بعد اعترافهما ) أي رجعا إلى رحالهما ويحتمل أنه أراد الرجوع عن الإقرار ولكن الظاهر الأول لقوله " أو قال لو لم يرجعا " فإن المراد به : لم يرجعا إليه صلى الله عليه وسلم ، فيكون معنى الحديث : لو رجعا إلى رحالهما ولم يرجعا إليه صلى الله عليه وسلم بعد كمال الإقرار لم يرجمهما . وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بأنه يشترط في الإقرار بالزنا أن يكون أربع مرات ، فإن نقص عنها لم يثبت الحد وهم العترة وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق والحسن بن صالح هكذا في البحر ، وفيه أيضا عن أبي بكر وعمر والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتي والشافعي أنه يكفي وقوع الإقرار مرة واحدة

وروي ذلك عن داود . وأجابوا عن أحاديث الباب بما سلف من الاضطراب ويرد عليهم بما تقدم . واستدلوا بحديث العسيف المتقدم فإن فيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لأنيس : " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " وبما أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت { أنه صلى الله عليه وسلم رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة } . وسيأتي الحديث في باب تأخير الرجم عن الحبلى

وكذلك حديث بريدة الذي سيأتي هنالك ، فإن فيه { أنه صلى الله عليه وسلم رجمها قبل أن تقر أربعا } ولما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه { أنه كان قاعدا يعمل في السوق فمرت امرأة تحمل صبيا فثار الناس معها وثرت فيمن ثار فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم : وهو يقول : من أبو هذا معك ؟ فسكتت فقال شاب : خذوها أنا أبوه يا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض من حوله يسألهم عنه ، فقالوا : ما علمنا إلا خيرا فقال له النبي : صلى الله عليه وسلم : أحصنت ؟ قال : نعم ، فأمر به فرجم } .

وعن جابر بن عبد الله عند أبي داود { أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عنده رجل أنه زنى بامرأة ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم } وقد تقدم . ومن ذلك حديث الذي أقر بأنه زنى بامرأة وأنكرت وسيأتي [ ص: 117 ] في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت . ومن ذلك حديث الرجل الذي ادعت المرأة أنه وقع عليها فأمر برجمه ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل ، ففي رواية " أنه رجمه " وفي رواية " أنه عفا عنه " وهو في سنن النسائي والترمذي

ومن ذلك حديث اليهوديين فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر عليهما الإقرار . قالوا : ولو كان تربيع الإقرار شرطا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم . وأجاب الأولون عن هذه الأدلة بأنها مطلقة قيدتها الأحاديث التي فيها أنه وقع الإقرار أربع مرات ، ورد بأن الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ ، وجميع الأحاديث التي ذكر فيها تربيع الإقرار أفعال ولا ظاهر لها ، وغاية ما فيها جواز تأخير إقامة الحد بعد وقوع الإقرار مرة إلى أن ينتهي إلى أربع ، ثم لا يجوز التأخير بعد ذلك ، وظاهر السياقات مشعر بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك في قصة ماعز لقصد التثبت كما يشعر ذلك قوله له : " أبك جنون ؟ " ثم سؤاله بعد ذلك لقومه ، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسا في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ذلك . وأحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفا بصحة العقل وسلامة إقراره عن المبطلات

وأما ما رواه بريدة من أن الصحابة كانوا يتحدثون أنه لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه فليس ذلك مما تقوم به الحجة لأن الصحابي لا يكون فهمه حجة إذا عارض الدليل الصحيح . ومما يؤيد ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له الغامدية : أتريد أن ترددني كما رددت ماعزا ؟ لم ينكر ذلك عليها كما سيأتي في باب تأخير الرجم عن الحبلى ، ولو كان تربيع الإقرار شرطا لقال لها : إنما رددته لكونه لم يقر أربعا ، وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الإقرار ليس بشرط للتصريح فيها بأنها متأخرة عن قضية ماعز . وقد اكتفى فيها بدون أربع مرات كما سيأتي وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المذكور في الباب { شهدت على نفسك أربع شهادات } فليس في هذا ما يدل على الشرطية أصلا ، وغاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأنه قد استحق الرجم لذلك وليس فيه ما ينفي الاستحقاق دونه فيما دونه ولا سيما وقد وقع منه الرجم بدون حصول التربيع كما سلف

وأما الاستدلال بالقياس على شهادة الزنا فإنه لما اعتبر فيه أربعة شهود اعتبر في إقراره أن يكون أربع مرات ففي غاية الفساد لأنه يلزم من ذلك أن يعتبر في الإقرار بالأموال والحقوق أن يكون مرتين لأن الشهادة في ذلك لا بد أن تكون من رجلين ، ولا يكفي فيها الرجل الواحد ، واللازم باطل بإجماع المسلمين فالملزوم مثله . وإذ قد تقرر لك عدم اشتراط الأربع عرفت عدم اشتراط ما ذهبت إليه الحنفية والقاسمية من أن الأربع لا تكفي أن تكون في مجلس واحد بل لا بد أن تكون في أربعة [ ص: 118 ] مجالس ; لأن تعدد الأمكنة فرع تعدد الإقرار الواقع فيها ، وإذا لم يشترط في الأصل تبعه الفرع في ذلك . وأيضا لو فرضنا اشتراط كون الإقرار أربعا لم يستلزم كون مواضعه متعددة ؟ أما عقلا فظاهر لأن الإقرار أربع مرات وأكثر منها في موضع واحد من غير انتقال مما لا يخالف في إمكانه عاقل

وأما شرعا فليس في الشرع ما يدل على أن الإقرار الواقع بين يديه صلى الله عليه وسلم وقع من رجل في أربعة مواضع ، فضلا عن وجود ما يدل على أن ذلك شرط ، وأكثر الألفاظ في حديث ماعز بلفظ " أنه أقر أربع مرات ، أو شهد على نفسه أربع شهادات " وأما الرد الواقع بعد كل مرة كما في حديث أبي بكر المذكور فليس في ذلك أنه رد المقر من ذلك الموضع إلى موضع آخر ، ولو سلم فليس الغرض في ذلك الرد هو تعدد المجالس ، بل الاستثبات كما يدل على ذلك ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الألفاظ الدالة على أن ذلك الرد لأجله ، ومما يؤيد ذلك حديث ابن عباس المذكور في الباب فإن فيه " أنه جاء اليوم الأول فأقر مرتين فطرده ثم جاء اليوم الثاني فأقر مرتين فأمر برجمه " وهكذا يجاب عن الاستدلال بما روى نعيم بن هزال { أنه صلى الله عليه وسلم أعرض عن ماعز في المرة الأولى والثانية والثالثة } كما أخرجه أبو داود ، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة

والإعراض لا يستلزم أن تكون المواضع التي أقر فيها المقر أربعة بلا شك ولا ريب ولو سلم أنه يستلزم ذلك بقرينة ما روي أنه جاءه من جهة وجهه أولا ثم من عن يمينه ثم من عن شماله ثم من ورائه ، وسيأتي قريبا أنه كان يقر كل مرة في جهة غير الجهة الأولى ، فهذا ليس فيه أيضا أن الإعراض لقصد تعدد الإقرار أو تعدد مجالسه بل لقصد الاستثبات كما سلف لما سلف .

التالي السابق


الخدمات العلمية