صفحة جزء
باب أن الحد لا يجب بالتهم وأنه يسقط بالشبهات 3112 - ( عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته ، فقال شداد بن الهاد : هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها قال : لا ، تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام } . متفق عليه ) .

3113 - ( وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها } . رواه ابن ماجه . واحتج به من لم يحد المرأة بنكولها عن اللعان ) .


[ ص: 124 ] حديث ابن عباس الثاني إسناده في سنن ابن ماجه هكذا : حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي قال : حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد قال : حدثني الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود عن عروة عن ابن عباس فذكره ، والعباس صدوق وزيد بن يحيى ثقة وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح . وقد ورد بألفاظ منها ما ذكره المصنف ومنها ألفاظ أخر ، وفي بعضها أنها لما أتت بالولد على النعت المكروه قال صلى الله عليه وسلم : { لولا الأيمان لكان لي ولها شأن } أخرجه أحمد وأبو داود من حديثه ، ولفظ البخاري : { لولا ما مضى من كتاب الله } . وقد تقدم في اللعان ما قاله صلى الله عليه وسلم في شأن الولد الذي كان في بطن المرأة وقت اللعان فإنه قال : { إن أتت به على الصفة الفلانية فهو لشريك ابن سحماء وإن أتت به على الصفة الفلانية فهو لزوجها هلال بن أمية }

قوله : فقال شداد بن الهاد في الفتح في كتاب اللعان : إن السائل هو عبيد الله بن شداد بن الهاد وهو ابن خالة ابن عباس قال : سماه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في هذا الحديث كما في كتاب الحدود من صحيح البخاري . قوله : ( كانت قد أعلنت في الإسلام ) في لفظ للبخاري : " كانت تظهر في الإسلام السوء " أي : كانت تعلن بالفاحشة ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا اعتراف كما تقدم في اللعان . قال الداودي : فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء . وتعقب بأن ابن عباس لم يسمها ، فإن أراد إظهار العيب على العموم فمحتمل . وقد استدل المصنف رحمه اللهبقوله صلى الله عليه وسلم : { لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها } على أنه لا يجب الحد بالتهم ، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به وهو قبيح عقلا وشرعا فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين ; لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطإ والغلط ، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف

3114 - ( وعن أبي هريرة قال { : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا } . رواه ابن ماجه ) .

3115 - ( وعن عائشة قالت { : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة } . رواه الترمذي وذكر أنه قد روي موقوفا ، وأن الوقف أصح . قال : وقد روي عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم [ ص: 125 ] قالوا مثل ذلك ) . حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف لأنه من طريق إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف .

وحديث عائشة أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما قال الترمذي وقال البخاري فيه : إنه منكر الحديث . وقال النسائي متروك انتهى . والصواب الموقوف كما في رواية وكيع . قال البيهقي : رواية وكيع أقرب إلى الصواب . قال : ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري ورشدين ضعيف ، وفي الباب عن علي مرفوعا { ادرءوا الحدود بالشبهات } وفيه المختار بن نافع ، قال البخاري وهو منكر الحديث ، قال : وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود : قال { ادرءوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم } وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضا موقوفا ، وروي منقطعا وموقوفا على عمر . ورواه ابن حزم في كتاب الاتصال عن عمر موقوفا عليه قال الحافظ : وإسناده صحيح . ورواه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي عن عمر بلفظ : " لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " .

وفي مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعا بلفظ : { ادرءوا الحدود بالشبهات } وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شد من عضده ما ذكرناه فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة . وقد أخرج البيهقي وعبد الرزاق عن عمر أنه عذر رجلا زنى في الشام وادعى الجهل بتحريم الزنا . وكذا روي عنه وعن عثمان أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية وادعت أنها لم تعلم التحريم

3116 - ( وعن ابن عباس قال : قال عمر بن الخطاب : { كان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . } رواه الجماعة إلا النسائي )

قوله : ( آية الرجم ) هي : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة " . وقد قدمنا [ ص: 126 ] الكلام على ذلك في أول كتاب الحدود ، وهذه المقالة وقعت من عمر لما صدر من الحج وقدم المدينة . قوله ( فأخشى إن طال بالناس زمان . . . إلخ ) قد وقع ما خشيه رضي الله عنه حتى أفضى ذلك إلى أن الخوارج وبعض المعتزلة أنكروا ثبوت مشروعية الرجم كما سلف . وقد أخرج عبد الرزاق والطبراني عن ابن عباس أن عمر قال : " سيجيء أقوام يكذبون بالرجم " .

وفي رواية للنسائي : { وإن ناسا يقولون : ما بال الرجم فإن ما في كتاب الله تعالى الجلد } وهذا من المواطن التي وافق حدس عمر فيها الصواب . وقد وصفه صلى الله عليه وسلم بارتفاع طبقته في ذلك الشأن كما قال : " إن يكن في هذه الأمة محدثون فمنهم عمر "

قوله : ( إذا قامت البينة ) أي شهادة أربعة شهود ذكور بالإجماع . قوله : ( أو كان الحبل ) بفتح المهملة والموحدة وفي رواية " الحمل " . وقد استدل بذلك من قال : إن المرأة تحد إذا وجدت حاملا ولا زوج لها ولا سيد ولم تذكر شبهة ، وهو مروي عن عمر ومالك وأصحابه . قالوا : إذا حملت ولم يعلم لها زوج ولا عرفنا إكراها لزمها الحد إلا أن تكون غريبة وتدعي أنه من زوج أو سيد . وذهب الجمهور إلى أن مجرد الحبل لا يثبت به الحد بل لا بد من الاعتراف أو البينة ، واستدلوا بالأحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات

والحاصل أن هذا من قول عمر ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس ، وكونه قاله في مجمع من الصحابة ولم ينكر عليه لا يستلزم أن يكون إجماعا كما بينا ذلك في غير موضع من هذا الشرح ; لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف ، ولا سيما والقائل بذلك عمر وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم ، اللهم إلا أن يدعى أن قوله : إذا قامت البينة وكان الحبل أو الاعتراف من تمام ما يرويه عن كتاب الله تعالى ولكنه خلاف الظاهر ; لأن الذي كان في كتاب الله هو ما أسلفنا في أول كتاب الحدود . وقد أجاب الطحاوي بتأويل ذلك على أن المراد أن الحبل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم ، ولا بد من ثبوت كونه من زنا . وتعقب بأنه يأبى ذلك جعل الحبل مقابلا للبينة والاعتراف . قوله : ( أو الاعتراف ) قد تقدم الخلاف في مقداره وما هو الحق .

التالي السابق


الخدمات العلمية