صفحة جزء
باب ما في الحفر للمرجوم 3121 - ( عن أبي سعيد قال : { لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ، ولا أوثقناه ، ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف ، فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة فرميناه بجلاميد الجندل حتى سكت } ) .

3122 - ( وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : { جاءت الغامدية ، فقالت : يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني ، وأنه ردها ، فلما كان الغد قالت : يا رسول الله لم تردني لعلك تردني كما رددت ماعزا ، فوالله إني لحبلى ، قال : إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت : هذا قد ولدته ، قال : اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز ، فقالت : هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها ، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضخ الدم على وجه خالد فسبها ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها ، فقال : مهلا يا خالد ، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت } رواهما أحمد ومسلم وأبو داود ) . [ ص: 131 ]

3123 - ( وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه { أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني زنيت ، وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان الغد أتاه ، فقال : يا رسول الله إني قد زنيت ، فرده الثانية ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه : هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا ؟ قالوا : ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى ، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه ، فأخبروه أنه لا بأس به ، ولا بعقله ، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ، ثم أمر به فرجم . } رواه مسلم وأحمد ، وقال في آخره : { فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فحفر له حفرة فجعل فيها إلى صدره ، ثم أمر الناس برجمه } ) .

3124 - ( وعن خالد بن اللجلاج { أن أباه أخبره فذكر قصة رجل اعترف بالزنا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحصنت ؟ قال : نعم ، فأمر برجمه ، فذهبنا فحفرنا له حتى أمكننا ورميناه بالحجارة حتى هدأ . } رواه أحمد وأبو داود ) .


حديث خالد بن اللجلاج في إسناده محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه ، وقد أخرجه أيضا النسائي ولأبيه صحبة ، وهو بفتح اللام وسكون الجيم وآخره جيم أيضا ، وهو عامري كنيته أبو العلاء ، عاش مائة وعشرين سنة . قوله : ( والخزف ) بفتح الخاء المعجمة والزاي آخره فاء : وهي أكسار الأواني المصنوعة من المدر . قوله : ( في عرض الحرة ) بضم العين المهملة وسكون الراء ، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء : وهي أرض ذات أحجار سود ، وقد سمي بذلك مواضع منها مواضع وقعة حنين وموضع بتبوك وبنقدة وبين المدينة والعقيق وقبلي المدينة وببلاد عبس وببلاد فزارة وببلاد بني القين وبالدهناء وبعالية الحجاز وقرب فيد وبجبال طيئ وبأرض بارق وبنجد وببني مرة وقرب خيبر وهي حرة النار وبظاهر المدينة تحت واقم وبها كانت وقعة الحرة أيام يزيد وبالبريك في طريق اليمن وحرة غلاس ولبن ولفلف وشوران والحمارة وجفل وميطان ومعشر وليلى وعباد والرجلاء وقمأة مواضع بالمدينة ، كذا في القاموس .

قوله : ( بجلاميد ) الجلاميد جمع جلمد ، وهو الصخر كالجلمود والجندل كجعفر ما يقله الرجل من الحجارة وتكسر الدال وكعلبط : الموضع يجتمع فيه الحجارة ، وأرض جندلة كعلبطة وقد تفتح : كسرتها كذا في القاموس . قوله : ( إما لا فاذهبي ) قال النووي في شرح مسلم : هو بكسر الهمزة من إما وتشديد الميم وبالإمالة ، ومعناه : إذا أبيت أن تستري نفسك وتتوبي عن قولك فاذهبي [ ص: 132 ] حتى تلدي فترجمين بعد ذلك . ا هـ . قوله : ( فنضخ ) بالخاء المعجمة وبالمهملة . قوله : ( صاحب مكس ) بفتح الميم وسكون الكاف بعدها مهملة : هو من يتولى الضرائب التي تؤخذ من الناس بغير حق . قال في القاموس : مكس في البيع يمكس إذا جبى مالا والمكس : النقص والظلم ، ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة انتهى .

قوله : ( فصلى عليها ) قال القاضي عياض : هو بفتح الصاد واللام عند جمهور رواه مسلم ، ولكن في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود والطبراني فصلي بضم الصاد على البناء للمجهول . ويؤيده ما وقع في رواية لأبي داود بلفظ : " ثم أمرهم فصلوا عليها " ووقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم : " أنه قال عمر للنبي : صلى الله عليه وسلم أيصلى عليها ؟ فقال : لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم " . قوله : ( إلا وفي العقل ) بفتح الواو وكسر الفاء وتشديد الياء صفة مشبهة . وهذه الأحاديث المذكورة في الباب قد قدمنا الكلام على فقهها ، وإنما ساقها المصنف ههنا للاستدلال بها على ما ترجم الباب به وهو الحفر للمرجوم . وقد اختلفت الروايات في ذلك ، فحديث أبي سعيد المذكور فيه أنهم لم يحفروا لماعز ، وحديث عبد الله بن بريدة فيه أنهم حفروا له إلى صدره .

وقد جمع بين الروايتين بأن المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه ، أو أنهم لم يحفروا له أول الأمر ثم لما فر فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه ، أو أنهم حفروا له في أول الأمر ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه ، وعلى فرض عدم إمكان الجمع فالواجب تقديم رواية الإثبات على النفي ، ولو فرضنا أن ذلك غير مرجح توجه إسقاط الروايتين والرجوع إلى غيرهما كحديث خالد بن اللجلاج ، فإن فيه التصريح بالحفر بدون تسمية المرجوم ، وكذلك حديثه أيضا في الحفر للغامدية . وقد ذهبت العترة إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدي المرأة وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يحفر للرجل .

وفي قول للشافعي أنه إذا حفر له فلا بأس ، وبه قال الإمام يحيى .

وفي وجه للشافعية أنه يخير الإمام ، وفي المرأة عندهم ثلاثة أوجه ، ثالثها : يحفر إن ثبت زناها بالبينة لا بالإقرار والمروي عن أبي يوسف وأبي ثور أنه يحفر للرجل والمرأة . والمشهور عن الأئمة الثلاثة أنه لا يحفر مطلقا ، والظاهر مشروعية الحفر لما قدمنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية