صفحة جزء
باب قتل من صرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم دون من عرض 3212 - ( عن الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : { أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه ، فخنقها رجل حتى ماتت ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذمتها } . [ ص: 223 ] رواه أبو داود ) .

3213 - ( وعن ابن عباس : { أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه ، فينهاها فلا تنتهي ، ويزجرها فلا تنزجر ، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه ، فأخذ المعول فجعله في بطنها ، واتكأ عليه فقتلها ، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجمع الناس فقال : أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام ، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك ، فأنهاها فلا تنتهي ، وأزجرها فلا تنزجر ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، وكانت بي رفيقة ، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك ، فأخذت المعول فوضعته في بطنها ، واتكأت عليه حتى قتلتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا اشهدوا أن دمها هدر } . رواه أبو داود والنسائي واحتج به أحمد في رواية أبيه عبد الله ) .

3214 - ( وعن أنس قال : { مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السام عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما يقول ؟ ، قال السام عليك ، قالوا يا رسول الله ألا نقتله ؟ قال : لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم } رواه أحمد والبخاري ، وقد سبق أن ذا الخويصرة قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعدل وأنه منع من قتله ) .


حديث الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سكت عنه أبو داود . وقال المنذري : ذكر بعضهم أن الشعبي سمع من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه . وقال غيره إنه رآه ، ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح .

وحديث ابن عباس سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري . وقال الحافظ في بلوغ المرام : إن رواته ثقات . والحديث الذي أشار إليه المصنف ، أعني قوله : " قال : يا رسول الله اعدل " ، قد تقدم في باب قتال الخوارج .

وفي الباب عن أبي برزة عند أبي داود والنسائي قال : " كنت عند أبي بكر فتغيظ عليه رجل ، فاشتد غضبه ، فقلت : أتأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه ؟ قال : فأذهبت كلمتي غضبه ، فقام فدخل فأرسل إلي فقال : ما الذي قلت آنفا ؟ قلت : ائذن لي أضرب [ ص: 224 ] عنقه ، قال : أكنت فاعلا لو أمرتك ؟ قلت : نعم ، قال : لا ، والله ما كان لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم " .

وفي حديث ابن عباس وحديث الشعبي دليل على أنه يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وس لم . وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله . ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء ، فلو تاب لم يسقط عنه القتل ، لأن حد قذفه القتل ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة ، وخالفه القفال فقال : كفر بالسب فسقط القتل بالإسلام . وقال الصيدلاني : يزول القتل ويجب حد القذف . قال الخطابي : لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما .

وقال ابن بطال : اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك : يقتل من سبه صلى الله عليه وسلم منهم إلا أن يسلم ، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة . ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه .

وروي عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها . وعن الكوفيين وإن كان ذميا عزر ، وإن كان مسلما فهي ردة . وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ؟ ونقل عن بعض المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه . وقيل : إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم . وقيل : إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه ، ولذلك قال في الرد عليهم : وعليكم : أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به ، أشار إلى ذلك القاضي عياض وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة : هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب .

وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده ؟ محل تأمل . واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث أنس المذكور في الباب ، وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكانت ردة ، وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد ، فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم . وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد ، وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن سبه منهم تعدى العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه ، إلا أن يسلم . ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا ، لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل .

فإن قيل : إنما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ، ولو أسلم ولو سب لم يقتل ، قلنا : الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر ، وأما السب فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الإسلام ، والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف أو [ ص: 225 ] لكونهم لم يعلنوا به أو لهما جميعا وهو أولى كما قال الحافظ .

التالي السابق


الخدمات العلمية