صفحة جزء
باب تحريم القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك 3553 - ( عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق } متفق عليه ) .

3554 - ( وعن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه } رواه أحمد ومسلم وأبو داود )

3555 - ( وعن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطأ ) .

3556 - ( وعن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله } رواه أحمد )

3557 - ( وعن عبد الرحمن الخطمي قال : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : { مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم [ ص: 107 ] الخنزير ثم يقوم فيصلي } رواه أحمد )


حديث أبي موسى الأول رجال إسناده ثقات ، وأخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي وحديث أبي موسى الثاني قال في مجمع الزوائد : رواه الطبراني ، وفي إسناده علي بن زيد وهو متروك وحديث عبد الرحمن الخطمي قال أحمد : حدثنا المكي بن إبراهيم ، حدثنا الجعيد عن موسى بن عبد الرحمن فذكره ، وأورده الحافظ في التلخيص من كتاب الشهادات وسكت عنه . وقال في مجمع الزوائد : فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح قوله : ( فليقل لا إله إلا الله ) في الأمر لمن حلف باللات والعزى أن يتكلم بكلمة الشهادة دليل على أنه قد كفر بذلك ، وسيأتي تحقيق المسألة في كتاب الأيمان إن شاء الله .

قوله : ( فليتصدق ) فيه دليل على المنع من المقامرة ، لأن الصدقة المأمور بها كفارة عن الذنب ، قال في القاموس : وقامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره راهنه فغلبه وهو التقامر ا . هـ ، فالمراد بالقمار المذكور هنا الميسر ونحوه مما كانت تفعله العرب ، وهو المراد بقول الله تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } وكل ما لا يخلو اللاعب فيه من غنم أو غرم فهو ميسر ، وقد صرح القرآن بوجوب اجتنابه ، قال الله تعالى : { إنما الخمر والميسر } الآية ، وقد صرحت بتحريمه السنة كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا . قوله : ( من لعب بالنردشير ) قال النووي : النردشير هو النرد عجمي معرب ، وشير معناه حلو ، وكذا في النهاية ، وقيل : هو خشبة قصيرة ذات فصوص يلعب بها . وقيل إنما سمي بذلك الاسم لأن واضعه أردشير بن بابك من ملوك الفرس قال النووي : وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد . وقال أبو إسحاق المروزي : يكره ولا يحرم . قيل : وسبب تحريمه أن وضعه على هيئة الفلك بصورة شمس وقمر وتأثيرات مختلفة تحدث عند اقترانات أوضاعه ليدل بذلك على أن أقضية الأمور كلها مقدرة بقضاء الله ليس للكسب فيها مدخل ، ولهذا ينتظر اللاعب به ما يقضى له به والتمثيل بقوله " فكأنما صبغ يده في لحم خنزير . . . إلخ " فيه إشارة إلى التحريم لأن التلوث بالنجاسات من المحرمات . وقوله : " فقد عصى الله ورسوله " تصريح بما يفيد التحريم . قوله : ( من لعب بالكعاب ) هي فصوص النرد ، وقد كرهها عامة الصحابة .

وروي أنه رخص فيها ابن مغفل وابن المسيب على غير قمار . واختلف في الشطرنج ، قال النووي : مذهبنا أنه مكروه . وليس بحرام ، وهو مروي عن جماعة من التابعين . وقال مالك وأحمد : هو حرام ، قال مالك : هو شر من النرد وألهى . وروى ابن كثير في إرشاده أن أول ظهور الشطرنج في زمن الصحابة وضعه رجل هندي يقال له : صصة قال : وروى البيهقي من حديث جعفر بن [ ص: 108 ] محمد عن أبيه " أن عليا قال في الشطرنج : هو من الميسر " قال ابن كثير : وهو منقطع جيد وروي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة أنهم كرهوا ذلك .

وروي عن ابن عمر أنه شر من النرد كما قال مالك وحكي في ضوء النهار عن ابن عباس وأبي هريرة وابن سيرين وهشام بن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وابن جبير أنهم أباحوه . وقد روي في تحريمه أحاديث ، أخرج الديلمي من حديث واثلة مرفوعا { إن لله في كل يوم ثلثمائة نظرة ولا ينظر فيها إلى صاحب الشاه } وفي لفظ { يرحم به عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب } يعني الشطرنج

وأخرج من حديث ابن عباس يرفعه { ألا إن أصحاب الشاه في النار الذين يقولون قتلت والله شاهك } وأخرج الديلمي أيضا عن أنس يرفعه { ملعون من لعب بالشطرنج } وأخرج ابن حزم وعبدان { ملعون من لعب بالشطرنج ، والناظر إليهم كالآكل لحم الخنزير } من حديث جميع بن مسلم وأخرج الديلمي عن علي مرفوعا { يأتي على الناس زمان يلعبون بها ، ولا يلعب بها إلا كل جبار ، والجبار في النار }

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي كرم الله وجهه أنه قال : " النرد والشطرنج من الميسر " . وأخرج عنه عبد بن حميد أنه قال : " الشطرنج ميسر العجم " وأخرج عنه ابن عساكر أنه قال : " لا يسلم على أصحاب النردشير والشطرنج " قال ابن كثير : والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء ، ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة ، وأحسن ما روي فيه ما تقدم عن علي كرم الله وجهه ، وإذا كان بحيث لا يخلو أحد اللاعبين من غنم أو غرم فهو من القمار ، وعليه يحمل ما قاله علي أنه من الميسر والمجوزون له قالوا : إن فيه فائدة وهي معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد فأشبه السبق والرمي .

قالوا : وإذا كان على عوض فهو كمال الرهان ، وقد تقدم حكمه ولا نزاع أنه نوع من اللهو الذي نهى الله عنه ، ولا ريب أنه يلزمه إيغار الصدور وتتأثر عنه العداوات ، وتنشأ منه المخاصمات ، فطالب النجاة لنفسه لا يشتغل بما هذا شأنه ، وأقل أحواله أن يكون من المشتبهات ، والمؤمنون وقافون عند الشبهات .

وفي الشفاء للأمير الحسين قبل آخر الكتاب بنحو ثلاث ورق عن علي عليه السلام أنه أمر بتحريق رقعة الشطرنج وإقامة كل واحد ممن لعب بها معقولا على فرد رجل إلى صلاة الظهر ، ثم ذكر غير ذلك

التالي السابق


الخدمات العلمية