صفحة جزء
أبواب الطب باب إباحة التداوي وتركه 3762 - ( عن أسامة بن شريك قال : { جاء أعرابي فقال : يا رسول الله أنتداوى ؟ قال : نعم ، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله } رواه أحمد .

وفي لفظ : { قالت الأعراب : يا رسول الله ألا نتداوى ؟ قال : نعم ، عباد الله تداووا ، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، أو دواء إلا داء واحدا ، قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : الهرم } رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي وصححه ) .

3763 - ( وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى } رواه أحمد ومسلم ) . [ ص: 230 ]

3764 - ( وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله } رواه أحمد ) .

3765 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء } رواه أحمد والبخاري وابن ماجه ) .

3766 - ( وعن أبي خزامة قال : { قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال : هي من قدر الله } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حديث حسن ، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث ) .

3767 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون } ) .

3768 - ( وعن ابن عباس : { أن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي ، قال : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ، فقالت : أصبر ، وقالت : إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها } . متفق عليهما ) .


حديث أسامة أخرجه أيضا النسائي والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم . وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم . وحديث أبي خزامة وهو بمعجمة مكسورة وزاي خفيفة ، أخرجه أيضا الترمذي من طريقين : إحداهما عن أبي عمر عن سفيان عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه . والثانية عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان عن الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبيه . قال : وقد روي عن ابن عيينة كلتا الروايتين . وقال بعضهم عن أبي خزامة عن أبيه . وقال بعضهم : عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال : وقد روى هذا الحديث غير ابن عيينة عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه وهذا أصح ، ولا يعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث ا هـ كلامه ، وقد صرح بأنه حديث حسن وهو كما قال . قوله : ( فإن الله لم ينزل داء ) [ ص: 231 ] المراد بالإنزال إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا أو المراد به التقدير . قوله : ( عباد الله تداووا ) لفظ الترمذي " قال : نعم يا عباد الله تداووا " والداء والدواء كلاهما بفتح الدال المهملة وبالمد ، وحكي كسر دال الدواء . قوله : ( والهرم ) استثناه لكونه شبيها بالموت ، والجامع بينهما تقضي الصحة أو لقربه من الموت أو إفضائه إليه .

ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا ، والتقدير لكن الهرم لا دواء له ، وفي لفظ " إلا السام " بمهملة مخففا : وهو الموت ، ولعل التقدير إلا داء السام : أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت . قوله : ( علمه من علمه ) فيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمه كل واحد .

وفي أحاديث الباب كلها إثبات الأسباب ، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله فيها ، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك ، وإليه الإشارة في حديث جابر حيث قال " بإذن الله " فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته ، والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بالعافية ودفع المضار وغير ذلك قوله : ( وجهله من جهله ) فيه دليل على أنه لا بأس بالتداوي لمن كان به داء قد اعترف الأطباء بأنه لا دواء له وأقروا بالعجز عنه .

قوله : ( رقى نسترقيها . . . إلخ ) سيأتي الكلام على الرقية . قوله : ( وتقاة نتقيها ) أي ما نتقي به ما يرد علينا من الأمور التي لا نريد وقوعها بنا . قوله : ( قال هي من قدر الله ) أي لا مخالفة بينهما لأن الله هو الذي خلق تلك الأسباب وجعل لها خاصية في الشفاء . قوله : ( لا يسترقون . . . إلخ ) سيأتي الكلام على الرقية والكي . وأما التطير فهو من الطيرة بكسر الطاء المهملة وفتح المثناة التحتية . وقد تسكن ، وهي التشاؤم بالشيء ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه .

والأحاديث في الطيرة متعارضة ، وقد وضعت فيها رسالة مستقلة . وقد استدل بهذا الحديث والذي بعده على أنه يكره التداوي . وأجيب عن ذلك بأجوبة ، قال النووي : لا مخالفة بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار ، والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما لا يعرف معناه فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه . وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة . ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين إن الواردة في ترك الرقى للأفضلية وبيان التوكل وفي فعل الرقى لبيان الجواز مع أن تركها أفضل .

وبهذا قال ابن عبد البر وحكاه عمن حكاه ، والمختار الأول . وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تبارك وتعالى . قال المازري : جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره ، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر . وقال الطبري والمازري وطائفة : [ ص: 232 ] إنه محمول على من يعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها كما كان أهل ; الجاهلية يعتقدون . قال عياض : الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن يشاركهم في أصل الفضل والديانة ، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى أهل الجاهلية ونحوها فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب .

وأجاب الداودي وطائفة أن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء ، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء فلا . وأجاب الحليمي بأنه يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض ، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه ، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة ولا يخشون من ذلك شيئا .

وأجاب الخطابي ومن تبعه بأن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره لا القدح في جواز ذلك وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة . وعن السلف الصالح ، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب . قال ابن الأثير : هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها ، وهؤلاء هم خواص الأولياء ، ولا يرد عليه وقوع مثل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل ، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز ، ومع ذلك فلا ينقص من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينا فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا ، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل ، فكان من ترك الأسباب وفوض وأخلص أرفع مقاما . قال الطبري : قيل لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة حتى السبع الضاري والعدو العادي ولا يسعى في طلب رزقه ولا في مداواة ألم .

والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله ، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين ، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو ، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوتهم ، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك . وقال للذي سأله أيعقل ناقته أو يتوكل ؟ : " اعقلها وتوكل " فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل . قوله : ( فقالت إني أصرع ) الصرع نعوذ بالله منه : علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن استعمالها منعا غير تام .

وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء . وقد يتبعه تشنج في الأعضاء ، ويقذف المصروع بالزبد لغلظ الرطوبة . وقد يكون الصرع من الجن ويقع من النفوس الخبيثة منهم ، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية ، وإما لإيقاع الأذية به . والأول هو [ ص: 233 ] الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه . والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ، ولا يعرف له علاج إلا بجذب الأرواح الخيرة العلوية لدفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطيل أفعالها .

وممن نص على ذلك بقراط فقال بعد ذكر علاج المصروع : إنما ينفع في الذي سببه أخلاط ، وأما الذي يكون من الأرواح فلا . قوله : ( وإني أتكشف ) بمثناة من فوق وتشديد الشين المعجمة من التكشف وبالنون الساكنة المخففة من الانكشاف ، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر .

وفيه أن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة ، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة .

وفيه دليل على جواز ترك التداوي وأن التداوي بالدعاء مع الالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير ، ولكن إنما ينجح بأمرين : أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد ، والآخر من جهة المداوي وهو توجه قلبه إلى الله وقوته بالتقوى والتوكل على الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية