صفحة جزء
باب غسل المستحاضة لكل صلاة

325 - ( عن عائشة رضي الله عنها قالت : { استحيضت زينب بنت جحش ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : اغتسلي لكل صلاة } . رواه أبو داود ) .


الحديث فيه محمد بن إسحاق ، وقد حسن المنذري بعض طرقه . وأخرجه ابن ماجه ، وفيه دلالة على وجوب الاغتسال عليها لكل صلاة ، وقد ذهب إلى ذلك الإمامية .

وروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح ، وروى هذا أيضا عن علي عليه السلام وابن عباس ، وروي عن عائشة أنها قالت : " تغتسل كل يوم غسلا واحدا " .

وعن [ ص: 302 ] ابن المسيب والحسن قالا : تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر ، ذكر ذلك النووي . وقد ذكر أبو داود حجج هذه الأقوال في سننه ، وجعلها أبوابا . وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليها الاغتسال لشيء من الصلوات ، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها .

قال النووي : وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، وهو مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود وابن عباس وعائشة ، وهو قول عروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبي حنيفة وأحمد .

ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب فلا يجب إلا بورود الشرع بإيجابه . قال النووي : ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها وهو قوله صلى الله عليه وسلم : { إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي } وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل ، قال : وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالغسل فليس فيها شيء ثابت .

وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها ، وإنما صح من هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما { أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاغتسلي ثم صلي ، فكانت تغتسل عند كل صلاة } . قال الشافعي رحمه الله تعالى: إنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي ، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة ، قال : ولا أشك - إن شاء الله - أن غسلها كان تطوعا غير ما أمرت به ، وذلك واسع لها . وكذا قال سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما ، وما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الاغتسال إلا لإدبار الحيضة هو الحق ، لفقد الدليل الصحيح الذي تقوم به الحجة لا سيما في مثل هذا التكليف الشاق فإنه لا يكاد يقوم بما دونه في المشقة إلا خلص العباد ، فكيف بالنساء الناقصات الأديان بصريح الحديث ، والتيسير وعدم التنفير من المطالب التي أكثر المختار صلى الله عليه وسلم الإرشاد إليها ، فالبراءة الأصلية المعتضدة بمثل ما ذكر لا ينبغي الجزم بالانتقال عنها بما ليس بحجة توجب الانتقال ، وجميع الأحاديث التي فيها إيجاب الغسل لكل صلاة قد ذكر المصنف بعضها في هذا الباب ، وأكثرها يأتي في أبواب الحيض وكل واحد منها لا يخلو عن مقال كما ستعرف ذلك ، لا يقال إنها تنتهض للاستدلال بمجموعها ; لأنا نقول : هذا مسلم لو لم يوجد ما يعارضها ، وأما إذا كانت معارضة بما هو ثابت في الصحيح فلا .

كحديث عائشة الآتي في أبواب الحيض ، فإن فيه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالاغتسال عند ذهاب الحيضة } فقط ، وترك البيان في وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول . وقد جمع بعضهم بين الأحاديث بحمل أحاديث الغسل لكل صلاة على الاستحباب ، كما سيأتي في باب من تحيض ستا أو سبعا وهو جمع حسن . [ ص: 303 ]

326 - ( وعن عائشة { أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته على ذلك فأمرها بالغسل عند كل صلاة ، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل ، والمغرب والعشاء بغسل ، والصبح بغسل } . رواه أحمد وأبو داود ) الحديث في إسناده محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ، وابن إسحاق ليس بحجة لا سيما إذا عنعن ، وعبد الرحمن قد قيل : إنه لم يسمع من أبيه . قال الحافظ : قد قيل : إن ابن إسحاق وهم فيه .

والحديث يدل على أنه يجوز الجمع بين الصلاتين ، والاقتصار على غسل واحد لهما ، وقد عرفت ما هو الحق في الذي قبله . وقد ألحق بالمستحاضة المريض وسائر المعذورين بجامع المشقة ، ولهذا قال المصنف : وهو حجة في الجمع للمرضى انتهى .

327 - ( وعن عروة بن الزبير عن { أسماء بنت عميس قالت : قلت يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا من الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا ، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا ، وتغتسل للفجر غسلا وتتوضأ فيما بين ذلك } . رواه أبو داود ) . الحديث في إسناده سهيل بن أبي صالح ، وفي الاحتجاج بحديثه خلاف .

وفي الباب عن حمنة بنت جحش وفيه { فإن قويت على أن تؤخري الظهر ، وتعجلي العصر ثم تغتسلي حتى تطهرين ، وتصلين الظهر والعصر جميعا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي ، وتغتسلين مع الصبح وتصلين } . قال : وهذا أعجب الأمرين إلي أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم ، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل ، وهو مختلف في الاحتجاج به . وقال ابن منده : لا يصح بوجه من الوجوه ،

وسيأتي بقية الكلام عليه في باب من تحيض ستا أو سبعا . وحديث الباب يدل على ما دل عليه الذي قبله ، وقد عرفت الخلاف في ذلك ، واختلف في وضوء المستحاضة هل يجب لكل صلاة أم لا ؟ سيأتي الكلام على ذلك في باب وضوء المستحاضة لكل صلاة . قوله : ( في مركن ) هو بكسر الميم الإجانة التي تغسل فيها الثياب ، والميم [ ص: 304 ] زائدة والإجانة بهمزة مكسورة فجيم مشددة فألف فنون ويقال : الإيجانة والإنجانة بالياء المثناة من تحت بعد الهمزة أو بالنون .

قوله : ( فإذا رأت صفرة فوق الماء ) أي الذي تقعد فيه . فإنها تظهر الصفرة فوقه ، فعند ذلك يصب عليها الماء .

وفي شرح المقربي لبلوغ المرام ما لفظه : أي صفرة الشمس ، وفي نسخة صفارة أي إذا زالت الشمس وقربت من العصر حتى ترى فوق الماء من شعاع الشمس شبه صفارة ; لأن شعاعها يتغير ، ويقل فيضرب إلى صفرة انتهى . فينظر في صحة هذا التفسير .

التالي السابق


الخدمات العلمية