صفحة جزء
[ ص: 334 ] باب من لا يجوز الحكم بشهادته

3918 - ( عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت ، والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت } رواه أحمد وأبو داود وقال : " شهادة الخائن والخائنة " إلى آخره ، ولم يذكر تفسير القانع . ولأبي داود في رواية { لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ، ولا زان ولا زانية ، ولا ذي غمر على أخيه } )

3919 - ( وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية } رواه أبو داود وابن ماجه ) .


حديث عمرو بن شعيب أخرجه البيهقي وابن دقيق العيد قال في التلخيص : وسنده قوي ا هـ . وقد ساقه أبو داود بإسنادين : الإسناد الأول قال : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا محمد بن راشد يعني المكحولي الدمشقي نزيل البصرة وثقه أحمد بن معين ، حدثنا سليمان بن موسى ، يعني القرشي الأموي فقيه أهل الشام وكان أوثق أصحاب مكحول وأعلاهم ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وهذا إسناد لا مطعن فيه . ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يخرج بها الحديث عن الحسن والصلاحية للاحتجاج ، والسند الثاني قال : حدثنا محمد بن خلف بن طارق الرازي ، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد ، يعني الدمشقي الخزاعي وهو ثقة ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، يعني ابن يحيى التنوخي الدمشقي روى له البخاري في الأدب وسائر الجماعة عن سليمان بن موسى المتقدم عن عمرو بن شعيب بالإسناد المتقدم ، وهذا كالإسناد الأول .

وفي الباب من حديث عائشة مرفوعا بلفظ { لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ، ولا ظنين ولا قرابة } أخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي ، وفيه يزيد بن زياد الشامي وهو ضعيف . قال الترمذي : لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه ، ولا يصح عندنا إسناده وقال أبو زرعة في العلل : منكر ، وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي .

وفي الباب أيضا من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب نحوه ، أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عبد الأعلى وهو ضعيف ، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهو أيضا ضعيف . قال البيهقي : لا يصح من هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي الباب [ ص: 335 ] أيضا عن عمر " لا تقبل شهادة ظنين ولا خصم " أخرجه مالك في الموطأ موقوفا وهو منقطع . قال الإمام في النهاية : واعتمد الشافعي خبرا صحيحا وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقبل شهادة خصم على خصم } قال الحافظ : ليس له إسناد صحيح لكن له طرق يتقوى بعضها ببعض ، فروى أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين } . ورواه أيضا البيهقي من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة } يعني الذي بينك وبينه عداوة . ورواه الحاكم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله ، وفي إسناده نظر .

وحديث الباب عن أبي هريرة أخرجه البيهقي وقال : هذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار وقال المنذري : رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه ا هـ . وسياقه في سنن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد ، يعني الكلاعي عن أبي الهاد ، يعني يزيد بن عبد الله بن الهاد الليثي عن محمد بن عمرو بن عطاء ، يعني القرشي العامري عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة . قوله : ( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ) صرح أبو عبيد بأن الخيانة تكون في حقوق الله كما تكون في حقوق الناس من دون اختصاص

قوله : ( ولا ذي غمر ) قال ابن رسلان : بكسر الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة . قال أبو داود : الغمر : الحنة والشحناء ، والحنة بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة لغة في إحنة : وهي الحقد ، قال الجوهري : يقال في صدره علي إحنة ولا يقال حنة ، والمواحنة : المعاداة . والصحيح أنها لغة كما ذكره أبو داود وجمعها حنات . قال ابن الأثير : وهي لغة قليلة في الإحنة ، وقال الهروي : هي لغة رديئة ، والشحناء بالمد : العداوة ، وهذا يدل على أن العداوة تمنع من قبول الشهادة لأنها تورث التهمة وتخالف الصداقة ، فإن في شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه ، وبيع آخرته بدنيا غيره ، وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا . فإن قيل : لم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة ؟ قال ابن رسلان : قلنا العداوة ههنا دينية ، والدين لا يقتضي شهادة الزور ، بخلاف العداوة الدنيوية ، قال : وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا تمنع العداوة الشهادة لأنها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة ا هـ

وإلى الأول ذهبت الهادوية ، وإلى الثاني ذهب المؤيد بالله أيضا . والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه لقيام الدليل على ذلك ، والأدلة لا تعارض بمحض الآراء ، وليس للقائل بالقبول دليل مقبول . قال في البحر : مسألة : العداوة لأجل الدين لا تمنع كالعدلي على القدري والعكس ، ولأجل الدنيا [ ص: 336 ] تمنع . قوله : ( ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت ) هو الخادم المنقطع إلى الخدمة فلا تقبل شهادته للتهمة بجلب النفع إلى نفسه ، وذلك كالأجير الخاص . وقد ذهب إلى عدم قبول شهادته للمؤجر له الهادي والقاسم والناصر والشافعي ، قالوا : لأن منافعه قد صارت مستغرقة فأشبه العبد

وقد حكي في البحر الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده قوله : ( ولا زان ولا زانية ) المانع من قبول شهادتهما الفسق الصريح . وقد حكي في البحر الإجماع على أنها لا تصح الشهادة من فاسق لصريح قوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل } وقوله : { إن جاءكم فاسق } ا هـ . واختلف في شهادة الولد لوالده والعكس فمنع من ذلك الحسن البصري والشعبي وزيد بن علي والمؤيد بالله والإمام يحيى والثوري ومالك والشافعية والحنفية وعللوا بالتهمة فكان كالقانع . وقال عمر بن الخطاب وشريح وعمر بن عبد العزيز والعترة وأبو ثور وابن المنذر والشافعي في قول له : إنها تقبل لعموم قوله تعالى: { ذوي عدل } وهكذا وقع الخلاف في شهادة أحد الزوجين للآخر لتلك العلة ، ولا ريب أن القرابة والزوجية مظنة للتهمة ; لأن الغالب فيهما المحاباة

وحديث " ولا ظنين " المتقدم يمنع من قبول شهادة المتهم ، فمن كان معروفا من القرابة ونحوهم بمتانة الدين البالغة إلى حد لا يؤثر معها محبة القرابة فقد زالت حينئذ مظنة التهمة ولم يكن كذلك ، فالواجب عدم القبول لشهادته لأنه مظنة للتهمة قوله : ( لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ) البدوي : هو الذي يسكن البادية في المضارب والخيام ولا يقيم في موضع خاص ، بل يرتحل من مكان إلى مكان ، وصاحب القرية هو الذي يسكن القرى ، وهي المصر الجامع . قال في النهاية : إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع ، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها

قال الخطابي : يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يغيرها عن وجهها ، وكذلك قال أحمد . وذهب إلى العمل بالحديث جماعة من أصحاب أحمد ، وبه قال مالك وأبو عبيد ، وذهب الأكثر إلى القبول . قال ابن رسلان : وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو ، والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ا هـ . وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدويا غير مناسب لقواعد الشريعة ; لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطا شرعيا ولعدم انضباطه ، فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في العدالة وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية ، فعند وجود العدالة يوجد القبول وعند عدمها يعدم ، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم المنع من شهادة البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة وإلا فقد قبل [ ص: 337 ] صلى الله عليه وسلم في الهلال شهادة بدوي . .

التالي السابق


الخدمات العلمية