صفحة جزء
باب الاكتفاء في اليمين بالحلف بالله وجواز تغليظها باللفظ والمكان والزمان

3938 - ( عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من حلف بالله فليصدق ، ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله } رواه ابن ماجه )

3939 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل حلفه : { احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء يعني المدعي } . رواه أبو داود ) .

3940 - ( وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يعني ابن صوريا : { أذكركم بالله الذي نجاكم من آل فرعون ، وأقطعكم البحر ، وظلل عليكم الغمام ، وأنزل عليكم المن والسلوى ، وأنزل التوراة على موسى أتجدون في كتابكم الرجم ؟ قال : ذكرتني بعظيم ولا يسعني أن أكذبك } وساق الحديث رواه أبو داود )

[ ص: 355 ] ( وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب ، إلا أوجب الله له النار } )

3942 - ( وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يحلف أحد على منبري كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار } رواهما أحمد وابن ماجه ) .

3943 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل . ورجل بايع الإمام لا يبايعه إلا للدنيا ، فإن أعطاه منها وفي له ، وإن لم يعطه لم يف له ، ورجل باع سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا ، فصدقه وهو على غير ذلك } رواه الجماعة إلا الترمذي .

وفي رواية { ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، ورجل منع فضل ماء فيقول الله له : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك } رواه أحمد والبخاري )


حديث ابن عمر قال ابن ماجه في سننه : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة ، حدثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر فذكره ، ومحمد بن إسماعيل المذكور ثقة وبقية إسناده رجال الصحيح .

وحديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي ، وفي إسناده عطاء بن السائب وفيه مقال وقد أخرج له البخاري مقرونا بآخر .

وحديث عكرمة هو مرسل ، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح . ويؤيده ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال : { قال النبي صلى الله عليه وسلم يعني لليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى ؟ } وفي إسناده مجهول ; لأن الزهري قال : أخبرنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .

وحديث أبي هريرة الأول المذكور في الباب أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك وحديث جابر أخرجه أيضا مالك وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن [ ص: 356 ] حبان والحاكم وغيرهم كذا في الفتح ، ورجال إسناده عند ابن ماجه كلهم ثقات وفي الباب عن أبي أمامة بن ثعلبة عند النسائي بإسناد رجاله ثقات رفعه { من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا } قوله : ( من حلف بالله ) فيه دليل على أنه يكفي مجرد الحلف بالله تعالى من دون أن يضم إليه وصف من أوصافه ، ومن دون تغليظ بزمان أو مكان قوله : ( قاله له يعني ابن صوريا ) بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء المهملة ممدودا . أصل القصة { أن جماعة من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا ؟ فقال : ائتوني بأعلم رجل منكم ، فأتوه بابن صوريا } قوله : ( وأنزل عليكم المن والسلوى ) أكثر المفسرين على أن المن هو الترنجبين وهو شيء أبيض كالثلج ، والسلوى : طير يقال له السماني

فيه دليل على جواز تغليظ اليمين على أهل الذمة ، فيقال لليهودي بمثل ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ومن أراد الاختصار قال : قل والله الذي أنزل التوراة على موسى . وإن كان نصرانيا قال له : قل والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى قوله : ( ذكرتني ) بتشديد الكاف المفتوحة قوله : ( أن أكذبك ) بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة ، يعني فيما ذكرته لي قوله : ( عبد ولا أمة ) أي ذكر ولا أنثى قوله : ( ولو على سواك رطب ) إنما خص الرطب لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن ، وهو لا يكون كذلك إلا في مواطن نباته بخلاف اليابس فإنه قد يحمل من بلد إلى بلد فيباع قوله : ( ثلاثة لا يكلمهم الله . . . إلخ ) فيه دليل على أن حالهم يوم القيامة حال المغضوب عليهم لأن هذه الأمور لا تكون إلا عند الغضب فهي كناية عن حلول العذاب بهم قوله : ( رجل على فضل ماء بالفلاة ) قد تقدم الكلام على منع فضل الماء وحكم مانعه قوله : ( بعد العصر ) خصه لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار قوله : ( لقد أعطي بها . . . إلخ ) قال في الفتح : وقع مضبوطا بضم الهمزة وفتح الطاء على البناء للمجهول وفي بعضها بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل والضمير للحالف وهي أرجح ، ومعنى لأخذها بكذا : أي لقد أخذها

وقد استدل بأحاديث الباب على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومنبره صلى الله عليه وسلم وبالزمان كبعد العصر ويوم الجمعة ونحو ذلك . وقد ذهب إلى هذا الجمهور كما حكاه صاحب الفتح . وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك . وعليه دلت ترجمة البخاري فإنه قال في الصحيح " باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين " وذهبت العترة إلى مثل ما ذهبت إليه الحنفية كما حكى ذلك عنهم صاحب البحر

وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع اجتهاد للحاكم ، وقد ورد [ ص: 357 ] عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان بالحلف بين الركن والمقام وعلى منبره صلى الله عليه وسلم وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك .

وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف . والحاصل أنه لم يكن في أحاديث الباب ما يدل على مطلوب القائل بجواز التغليظ لأن الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف على منبره صلى الله عليه وسلم . وكذلك الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف بعد العصر لا تدل على أنها تجب إجابة الطالب للحلف في ذلك المكان أو ذلك الزمان . وقد علمنا صلى الله عليه وسلم كيف اليمين فقال للرجل الذي حلفه { احلف بالله الذي لا إله إلا هو } كما في حديث ابن عباس . وقال في حديث ابن عمر المذكور في الباب { ومن حلف له بالله فليرض ، ومن لم يرض فليس من الله } وهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بالرضا لمن حلف له بالله ، ووعيد لمن لم يرض بأنه ليس من الله ، ففيه أعظم دلالة على عدم وجوب الإجابة إلى التغليظ بما ذكر وعدم جواز طلب ذلك ممن لا يساعد عليه

وقد كان الغالب من تحليفه صلى الله عليه وسلم لغيره وحلفه هو الاقتصار على اسم الله مجردا عن الوصف كما في قوله : { والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني } وكما في تحليفه صلى الله عليه وسلم لركانة فإنه اقتصر على اسم الله . وتارة كان يحلف صلى الله عليه وسلم فيقول : { لا ، والذي نفسي بيده ، لا ومقلب القلوب } وقال تعالى : { فيقسمان بالله } ومن جملة ما استدل به البخاري على عدم وجوب التغليظ حديث { شاهداك أو يمينه } ووجه ذلك أن الذي أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم هو مطلق اليمين

وهي تصدق على من حلف في أي زمان وأي مكان ، فمن بذل لخصمه أن يحلف له حنث هو ومن لم يجبه إلى مكان مخصوص ولا إلى زمان مخصوص ، فقد بذل ما أوجبه عليه الشارع ولا يلزمه الزيادة على ذلك لأن الذي تعبد به هو اليمين على أي صفة كانت ولم يتعبد بأشد الأيمان جرما وأعظمها ذنبا على أنه قد ورد في اليمين التي يقتطع بها حق امرئ مسلم من الوعيد ما ليس عليه من مزيد كما في الباب الذي قبل هذا أنها من الكبائر ومن موجبات النار . وليس في الحلف على منبره صلى الله عليه وسلم وبعد العصر زيادة على هذا ، فالحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة

وقد روى ابن رسلان أنهم لم يختلفوا في جواز التغليظ على الذمي ، فإن صح الإجماع فذاك عند من يقول بحجيته ، وإن لم يصح فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد في حديث الباب وما يشابهه من التغليظ باللفظ ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة مثل أن يطلب منه أن يحلف في الكنائس أو نحوها فلا دليل على ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية