صفحة جزء
باب الاستتار عن الأعين للمغتسل وجواز تجرده في الخلوة

348 - ( عن يعلى بن أمية { أن رسول الله رأى رجلا يغتسل بالبراز ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر } رواه أبو داود والنسائي ) .


الحديث رجال إسناده رجال الصحيح . وقد أخرج البزار نحوه من حديث ابن عباس [ ص: 316 ] مطولا ، وقد ذكره الحافظ في الفتح ولم يتكلم عليه . وهو يدل على وجوب التستر حال الاغتسال ، وقد ذهب إلى ذلك ابن أبي ليلى ، وذهب أكثر العلماء إلى أنه أفضل وتركه مكروه وليس بواجب . واستدلوا على ذلك بما سيأتي . وقد ذهب بعض الشافعية أيضا إلى تحريمه .

قال الحافظ : والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة فقط . قوله : ( بالبراز ) المراد هنا الفضاء والباء للظرفية . قوله : ( ستير ) بسين مهملة مفتوحة وتاء مثناة من فوق مكسورة وياء تحتية ساكنة ثم راء مهملة . قال في النهاية : فعيل بمعنى فاعل . ومن الأدلة الدالة على استحباب الاستتار حال الغسل ما أخرجه النسائي من حديث { أبي السمح قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال : ولني ، فأوليه قفاي فأستره به } أخرجه النسائي .

وما أخرجه مسلم من حديث { أم هانئ قالت : ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل ، وفاطمة رضي الله عنها تستره بثوب } ويدل على مشروعية مطلق الاستتار ما أخرجه أبو داود من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : { قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك ، قلت يا رسول الله فالرجل يكون خاليا ، قال : الله أحق أن يستحيا منه من الناس } .

349 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه تبارك وتعالى : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك } رواه أحمد والبخاري والنسائي ) .

قوله : ( يحثي ) في رواية البخاري يحتثي ، والحثية هي الأخذ باليد . قوله : ( لا غنى بي ) بالقصر بلا تنوين . قال الحافظ : ورويناه بالتنوين أيضا على أن " لا " بمعنى ليس .

قال ابن بطال : ووجه الدلالة من الحديث أن الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانا ، فدل على جوازه . وقال أيضا : ووجه الاستدلال بهذا الحديث وحديث أبي هريرة الذي سيأتي أنهما : يعني أيوب وموسى ممن أمرا بالاقتداء به . قال الحافظ : وهذا إنما يأتي على رأي من يقول : شرع من قبلنا شرع لنا ، والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قص القصتين ولم يتعقب شيئا منهما فدل على موافقتهما لشرعنا ، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه ، فيجمع بين الأحاديث بحمل الأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التستر على الأفضل [ ص: 317 ]

350 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ، قال : فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه ، قال : فجمح موسى عليه السلام بأثره يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى عليه السلام فقالوا : والله ما بموسى بأس ، قال : فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا } متفق عليه ) . قوله : ( كانت بنو إسرائيل ) أي جماعتهم .

قوله : ( يغتسلون عراة ) ظاهره أن ذلك كان جائزا في شرعهم وإلا لما أقرهم موسى على ذلك ، وكان هو عليه السلام يغتسل وحده أخذا بالأفضل . قال الحافظ : وأغرب ابن بطال فقال : هذا يدل على أنهم كانوا عصاة له وتبعه على ذلك القرطبي فأطال في ذلك . قوله : ( آدر ) هو بالمد وفتح الدال المهملة وتخفيف الراء . قال الجوهري : الأدرة نفخة في الخصية .

قوله : ( فجمح ) بالجيم ثم الميم ثم الحاء المهملة أي جرى مسرعا ، وفي رواية ( فخرج ) . قوله : ( ثوبي حجر ) إنما خاطبه ; لأنه أجراه مجرى من يعقل لكونه فر بثوبه فانتقل من حكم الجماد إلى حكم الحيوان فناداه ، فلما لم يرد عليه ثوبه ضربه . وقيل : يحتمل أن يكون المراد أراد بضربه إظهار المعجزة بتأثير ضربه فيه ، ويحتمل أن يكون عن وحي قوله : ( حتى نظرت ) ظاهره أنهم رأوا جسده ، وبه يتم الاستدلال على جواز النظر عند الضرورة . وأبدى ابن الجوزي احتمال أن يكون كان عليه مئزر ; لأنه يظهر ما تحته بعد البلل ، واستحسن ذلك ناقلا له عن بعض مشايخه . قال الحافظ : وفيه نظر . والحديث قد تقدم الكلام على وجه دلالته في الذي قبله .

التالي السابق


الخدمات العلمية