صفحة جزء
[ ص: 55 ] باب المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه ويلوي عنقه عند الحيعلة ولا يستدير

497 - ( عن أبي جحيفة قال : { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم قال : فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل قال : فخرج النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه قال : فتوضأ وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه هاهنا وها هنا يقول يمينا وشمالا : حي على الصلاة حي على الفلاح قال ثم ركزت له عنزة فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع ، وفي رواية : تمر من ورائها المرأة والحمار ثم صلى العصر ثم لم يزل يصلي حتى رجع إلى المدينة } متفق عليه ولأبي داود : { رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر ، وفي رواية : رأيت بلالا يؤذن ويدور وأتتبع فاه هاهنا وها هنا وأصبعاه في أذنيه قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء أراها من أدم قال : فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه } . رواه أحمد والترمذي وصححه ) .


الحديث أخرجه النسائي بزيادة " فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينا وشمالا " وابن ماجه بزيادة " رأيته يدور في أذانه " لكن في إسناده الحجاج بن أرطاة ورواه الحاكم بزيادة ألفاظ ، وقال : قد أخرجاه إلا أنهما لم يذكرا فيه إدخال الأصبعين في الأذنين والاستدارة ، وهو صحيح على شرطهما ، ورواه ابن خزيمة بلفظ " رأيت بلالا يؤذن يتبع بفيه ، يميل رأسه يمينا وشمالا " ورواه من طريق أخرى بزيادة " ووضع الأصبعين في الأذنين " وكذا رواه أبو عوانة في صحيحه وأبو نعيم في مستخرجه بزيادة " رأى أبو جحيفة بلالا يؤذن ويدور وأصبعاه في أذنيه " وكذا رواه البزار وقال البيهقي : الاستدارة لم ترد من طريق صحيحة لأن مدارها على سفيان الثوري وهو لم يسمعه من عون بن أبي جحيفة إنما سمعه عن رجل عنه ، والرجل يتوهم أنه الحجاج ، والحجاج غير محتج به ، قال : وهم عبد الرزاق في إدراجه ، وقد وردت الاستدارة من وجه آخر أخرجه أبو الشيخ في كتاب الأذان من طريق حماد وهشيم جميعا عن عون الطبراني من طريق إدريس الأودي عنه وفي الإفراد للدارقطني عن بلال { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا وأقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها } وإسناده ضعيف

قوله : ( فمن ناضح ونائل ) الناضح : الآخذ من الماء [ ص: 56 ] لجسده تبركا ببقية وضوئه صلى الله عليه وسلم والنائل : الآخذ من ماء في جسد صاحبه لفراغ الماء لقصد التبرك . وقيل : إن بعضهم كان ينال ما لا يفضل منه شيء ، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره وفي رواية في الصحيح " ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب أخذ من بلل صاحبه " وبهذه الرواية يتبين المراد من تلك العبارة والنضح : الرش ، وقد تقدم الكلام عليه

قوله : ( ههنا وههنا ) ظرفا مكان والمراد بهما جهة اليمين والشمال كما فسره بذلك الراوي . وللحديث فوائد وفيه أحكام سيأتي بسط الكلام عليها في مواضعها ، والمقصود منه هاهنا الاستدلال على مشروعية التفات المؤذن يمينا وشمالا وجعل الأصبعين في الأذنين حال الأذان والالتفات المذكور هنا مقيد بوقت الحيعلتين ، وقد بوب له ابن خزيمة فقال : باب انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الرأس . وقد اختلفت الروايات في الاستدارة ، ففي بعضها أنه كان يستدير ، وفي بعضها ولم يستدر كما سلف ، ولكنها لم ترو الاستدارة إلا من طريق حجاج وإدريس الأودي وهما ضعيفان

وقد رويت من طريق ثالثة وفيها ضعيف وهو محمد العرزمي . وقد خالف هؤلاء الثلاثة من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون قال في حديثه : " ولم يستدر " أخرجه أبو داود كما تقدم . قال الحافظ : ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى بها استدارة الرأس ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله ، ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة . قال ابن دقيق العيد : فيه دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين ، واختلف هل يستدير ببدنه كله أو بوجهه فقط ، وقدماه قارتان واختلف أيضا هل يستدير في الحيعلتين الأولتين مرة وفي الثانيتين مرة أو يقول حي على الصلاة عن يمينه ثم حي على الصلاة عن شماله وكذا في الأخرى ، وقد رجح هذا الوجه بأنه يكون لكل جهة نصيب من كل كلمة ، قال والأول أقرب إلى لفظ الحديث انتهى كلامه بالمعنى

وروي عن أحمد أنه لا يدور إلا إذا كان على منارة لقصد إسماع أهل الجهتين ، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق ، وقال النخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وهو رواية عن أحمد : أنه يستحب الالتفات في الحيعلتين يمينا وشمالا ، ولا يدور ولا يستدير سواء كان على الأرض أو على منارة . وقال مالك : لا يدور ، ولا يلتفت إلا أن يريد إسماع الناس ، وقال ابن سيرين : يكره الالتفات . والحق استحباب الالتفات حال الأذان بدون تقييد ، وأما الدوران فقد عرفت اختلاف الأحاديث فيه ، وقد أمكن الجمع بما تقدم فلا يصار إلى الترجيح .

وفي الحديث استحباب وضع الأصبعين في الأذنين ، وفي ذلك فائدتان ذكرهما العلماء

الأولى : أن ذلك أرفع [ ص: 57 ] لصوته قال الحافظ : وفيه حديث ضعيف من طريق سعد القرظ عن بلال

والثانية : أنه علامة للمؤذن ليعرف من يراه على بعد أو من كان به صمم أنه يؤذن . قال الترمذي : استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان ، قال : واستحبه الأوزاعي في الإقامة أيضا ، ولم يرد في الأحاديث كما قال الحافظ تعيين الأصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي بأنها المسبحة وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة .

التالي السابق


الخدمات العلمية