صفحة جزء
باب ما جاء في لبس الخز وما نسج من حرير وغيره

555 - ( عن عبد الله بن سعد عن أبيه سعد قال : { رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء ، فقال : كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . } رواه أبو داود والبخاري في تاريخه ، وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم ) .


الحديث أخرجه أيضا الترمذي ، ورواه البخاري في التاريخ الكبير عن مخيلد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد وقال : قال عبد الله : نراه ابن خازم السلمي ، قال : وابن خازم ما أدري أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ، وهذا شيخ آخر . وقال النسائي قال بعضهم : إن هذا الرجل عبد الله بن خازم أمير خراسان . قال المنذري : عبد الله بن خازم هذا بالخاء [ ص: 105 ] المعجمة والزاي كنيته أبو صالح ذكر بعضهم أن له صحبة ، وأنكرها بعضهم انتهى . وعبد الله بن سعد المذكور في هذا الحديث هو عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي الرازي روى عنه هذا الحديث ابنه عبد الرحمن وليس له في الكتب غيره ، وقد وثقه ابن حبان . وقد ساق هذا الحديث أبو داود في سننه من طريق أحمد بن عبد الرحمن الرازي عن أبيه عبد الرحمن قال : أخبرني أبي عبد الله بن سعد عن أبيه سعد قال : رأيت رجلا . الحديث ، ولعل عبد الله بن خازم كما ذكر النسائي والبخاري هو الرجل المبهم في الحديث ، وقد صرح بهذا ابن رسلان ، فقال : الرجل الراكب : قيل هو عبد الله بن خازم وكنيته أبو صالح .

قوله : ( عمامة خز ) قال ابن الأثير : الخز ثياب تنسج من صوف وإبريسم ، وهي مباحة ، وقد لبسه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ، وقال غيره الخز : اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها . وقال المنذري : أصله من وبر الأرنب ، ويسمى ذكره الخز . وقيل : إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم .

وفي النهاية ما معناه أن الخز الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مخلوط من صوف وحرير . وقالعياض في المشارق : إن الخز ما خلط من الحرير والوبر ، وذكر أنه من وبر الأرنب ثم قال : فسمي ما خالط الحرير من سائر الأوبار خزا والحديث قد استدل به على جواز لبس الخز ، وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساه عمامة الخز ، وذلك لا يستلزم جواز اللبس .

وقد ثبت من حديث علي عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي أنه قال : { كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه فأطرتها خمرا بين نسائي } هذا لفظ الحديث في التيسير فلم يلزم من قول علي " كساني " جواز اللبس وهكذا قال عمر : { لما بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بحلة سيراء يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أكسكها لتلبسها } هذا لفظ أبي داود وبهذا تبين لك أنه لا يلزم من قوله كساني جواز اللبس على أنه قد ثبت في تحريم الخز ما هو أصح من هذا الحديث وهو حديث أبي عامر الآتي وكذلك حديث معاوية . وقد استدل بهذا الحديث أيضا على جواز لبس المشوب ، وهو لا يدل على ذلك إلا على أحد التفاسير للخز ، وقد تقدم ذكر بعضها ، وقد اختلف الناس في المشوب ، وسيأتي بيان ما هو الحق .

قوله : ( وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة ) لا يخفاك أنه لا حجة في فعل بعض الصحابة وإن كانوا عددا كثيرا ، والحجة إنما هي في إجماعهم عند القائلين بحجية الإجماع ، ولو كان لبسهم الخز يدل على أنه حلال لكان الحرير الخالص حلالا ، لما تقدم عن أبي داود أنه قال : لبس الحرير عشرون صحابيا ، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون الخز والحرير وذكر الوعيد الشديد في آخر هذا الحديث من المسخ إلى القردة والخنازير كما سيأتي . [ ص: 106 ]

556 - ( وعن ابن عباس قال : إنما { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من قز } قال ابن عباس : أما السدى والعلم فلا نرى به بأسا . رواه أحمد وأبو داود ) . الحديث في إسناده خصيف بن عبد الرحمن . ، وقد ضعفه غير واحد ، قال في التقريب : هو صدوق سيئ الحفظ خلط بأخرة ورمي بالإرجاء وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة وبقية رجال إسناده ثقات . وأخرجه الحاكم بإسناد صحيح والطبراني بإسناد حسن كما قال الحافظ في الفتح .

قوله : ( المصمت ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة ، وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره قاله ابن رسلان .

قوله : ( وأما السدى ) بفتح السين والدال بوزن الحصى ويقال : ستى بمثناة من فوق بدل الدال لغتان بمعنى واحد ، وهو خلاف اللحمة ، وهو ما مد طولا في النسج .

قوله : ( والعلم ) هو رسم الثوب ورقمه قاله في القاموس وذلك كالطراز والسجاف . والحديث يدل على حل لبس الثوب المشوب بالحرير ، وقد اختلف الناس في ذلك . وقال في البحر : مسألة : ويحل المغلوب بالقطن وغيره ، ويحرم الغالب إجماعا فيها ا هـ .

وكلا الإجماعين ممنوع أما الأول فقد نقل الحافظ في الفتح عن العلامة ابن دقيق العيد أنه إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة إلى جميع الثوب . وأما الثاني فقد تقدم الخلاف عن ابن علية في الحرير الخالص ، ونقله القاضي عياض عن قوم كما عرفت . وقد ذهب الإمامية إلى أنه لا يحرم إلا ما كان حريرا خالصا لم يخالطه ما يخرجه عن ذلك كما روى ذلك الريمي عنهم .

وقال الهادي في الأحكام والمؤيد بالله وأبو طالب : إنه يحرم من المخلوط ما كان الحرير غالبا فيه أو مساويا تغليبا لجانب الحظر ، ولا دليل على تحليل المشوب إلا حديث ابن عباس هذا ، وهو غير صالح للاحتجاج من وجهين : الأول الضعف في إسناده كما عرفت . الثاني : أنه أخبر بما بلغه من قصر النهي على المصمت وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك كما تقدم في حلة السيراء من غضبه صلى الله عليه وسلم لما رأى عليا لابسا لها . والقول بأن حلة السيراء هي الحرير الخالص كما قال البعض ممنوع .

والسند ما أسلفناه عن أئمة اللغة بل أخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه والدورقي والبيهقي حديث علي السابق في السيراء بلفظ قال علي { أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء إما حرير وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته فقلت : ما أصنع بها ؟ ألبسها ؟ قال : لا ، إني لا أرضى لك ما أكره لنفسي ، شققها خمرا لفلانة وفلانة ، فشققتها أربعة أخمرة } وسيأتي الحديث ، وهذا صريح بأن تلك السيراء مخلوطة لا حرير خالص . ومن ذلك حديث أبي ريحانة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وفيه [ ص: 107 ] النهي عن عشر منها أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم وأن يجعل على منكبه حريرا مثل الأعاجم ، وقد عرفت مما سلف الأحاديث الواردة في تحريم الحرير بدون تقييد فالظاهر منها تحريم ماهية الحرير سواء وجدت منفردة أو مختلطة بغيرها ، ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص وسواء وجد ذلك المقدار مجتمعا كما في القطعة الخالصة أم مفرقا كما في الثوب المشوب .

وحديث ابن عباس لا يصلح لتخصيص تلك العمومات ، ولا لتقييد تلك الإطلاقات ما عرفت ولا متمسك للجمهور القائلين بحل المشوب . إذا كان الحرير مغلوبا إلا قول ابن عباس فيما أعلم فانظر - أيها المنصف - هل يصلح جعله جسرا تذاد عنه الأحاديث الواردة في تحريم مطلق الحرير ومقيده ، وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم مع ما في إسناده من الضعف الذي يوجب سقوط الاستدلال به على فرض تجرده عن المعارضات ، فرحم الله ابن دقيق العيد فلقد حفظ الله به في هذه المسألة أمة نبيه عن الإجماع على الخطأ ، ويمكن أن يقال : إن خصيفا المذكور في إسناد الحديث قد وثقه من تقدم ، واعتضد الحديث بوروده من وجهين آخرين أحدهما صحيح والآخر حسن كما سلف فانتهض الحديث للاحتجاج به .

فإن قلت : قد صرح الحافظ ابن حجر أن عهدة الجمهور في جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير أغلب ما وقع في تفسير الحلة السيراء قلت : ليس في أحاديث الحلة السيراء ما يدل على أنها حلال بل جميعها قاضية بالمنع منها كما في حديث عمر وعلي وغيرهما مما سلف ، فإن فسرت بالثياب المخلوطة بالحرير كما قال جمهور أهل اللغة كانت حجة على الجمهور لا لهم وإن فسرت بأنها الحرير الخالص فأي دليل فيها على جواز لبس المخلوط ، وهكذا إن فسرت بسائر التفاسير المتقدمة .

والحاصل أنه لم يأت المدعون للحل بشيء تركن النفس إليه ، وغاية ما جادلوا به أنه قول الجمهور ، وهذا أمر هين ، والحق لا يعرف بالرجال .

وأما دعوى الإجماع التي ذكرها صاحب البحر فما هي بأول دعاويه على أن الراجح عند من أطلق نفسه عن وثاق العصبية الوبية عدم حجية الإجماع إن سلم إمكانه ووقوعه ونقله والعلم به ، وإن كان الحق منع الكل . وأحسن ما يستدل به على الجواز حديث عبد الله بن سعد المتقدم في لبس عمامة الخز لما في النهاية من أن الخز الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم مخلوط من صوف وحرير . وقال في المشارق : إن الخز ما خلط من الحرير والوبر كما تقدم لولا أنه يمنع من صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب ما أسفلناه في شرحه على أن النزاع في مسمى الخز بمجرده مانع مستقل .

557 - ( وعن علي عليه السلام قال : { أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة مكفوفة بحرير [ ص: 108 ] إما سداها وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ما أصنع بها ألبسها ؟ قال : لا ، ولكن اجعلها خمرا بين الفواطم } . رواه ابن ماجه ) . الحديث في إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف ، وأما هبيرة بن يريم الراوي له عن علي فقد وثقه ابن حبان ، وقد أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي والدورقي .

قوله : ( بين الفواطم ) فقد تقدم ذكر أسمائهن في شرح حديث علي المتقدم ، والحديث يدل على المنع من لبس الثوب المخلوط بالحرير ، وقد قدمنا الكلام على ذلك ذكرنا القدر المعفو عنه .

558 - ( وعن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تركبوا الخز ولا النمار } . رواه أبو داود ) . الحديث رجال إسناده ثقات ، وقد أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه والكلام على الخز تفسيرا وحكما قد تقدم . وكذلك الكلام على النمار قد ذكرناه في حديث معاوية السابق .

التالي السابق


الخدمات العلمية