صفحة جزء
باب الذكر في الركوع والسجود

733 - ( عن حذيفة قال : { صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل ولا آية عذاب إلا تعوذ منها } رواه الخمسة وصححه الترمذي ) .


الحديث أخرجه أيضا مسلم . قوله : ( يسأل ) أي الرحمة . قوله : ( تعوذ ) أي من العذاب وشر العقاب . قال ابن رسلان : ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبر ، ولا بآية دعاء واستغفار إلا دعا واستغفر ، وإن مر بمرجو سأل ، يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه . والحديث يدل على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود ، وقد ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء من أئمة العترة وغيرهم إلى أنه سنة وليس بواجب وقال إسحاق بن راهويه : التسبيح واجب فإن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن نسيه لم تبطل . وقال الظاهري : واجب مطلقا وأشار الخطابي في معالم السنن إلى اختياره

وقال أحمد : التسبيح في الركوع والسجود وقول : سمع الله لمن حمده ، وربنا لك الحمد ، والذكر بين [ ص: 284 ] السجدتين ، وجميع التكبيرات واجب ، فإن ترك منه شيئا عمدا بطلت صلاته ، وإن نسيه لم تبطل ويسجد للسهو ، هذا هو الصحيح عنه ، وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور ، وقد روي القول بوجوب تسبيح الركوع والسجود عن ابن خزيمة . احتج الموجبون بحديث عقبة بن عامر الآتي وبقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } وبقول الله تعالى { وسبحوه } ولا وجوب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها ، وبالقياس على القراءة واحتج الجمهور بحديث المسيء صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار ، مع أنه علمه تكبيرة الإحرام والقراءة فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فيكون تركه لتعليمه دالا على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه للاستحباب لا للوجوب

والحديث يدل على أن التسبيح في الركوع والسجود يكون بهذا اللفظ فيكون مفسرا لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة : { اجعلوها في ركوعكم ، اجعلوها في سجودكم } وإلى ذلك ذهب الجمهور من أهل البيت ، وبه قال جميع من عداهم . وقال الهادي والقاسم والصادق : إنه سبحان الله العظيم وبحمده في الركوع . وسبحان الله الأعلى وبحمده في السجود . واستدلوا بظاهر قوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } و { سبح اسم ربك الأعلى } وقد أمر صلى الله عليه وسلم بجعل الأولى في الركوع والثانية في السجود كما سيأتي في حديث عقبة ، ولكنه لا يتم إلا على فرض أنه ليس لله جل جلاله إلا اسم واحد ، وقد تقرر أن له تسعة وتسعين اسما بالأحاديث الصحيحة ، وأن له أسماء متعددة بصريح القرآن { ولله الأسماء الحسنى } فامتثال ما في الآيتين يحصل بالمجيء بأي اسم منها ، مثل سبحان ربي ، وسبحان الله ، وسبحان الأحد وغير ذلك ، لكنه قد ورد من فعله صلى الله عليه وسلم ما يدل على بيان المراد من ذلك كحديث الباب وغيره ، وكذلك ورد من قوله ما يدل على ذلك كحديث ابن مسعود الآتي فتعين أن لفظ الرب هو المراد

وبهذا يندفع ما ألزم به صاحب البحر من تلاوة لفظ الآيتين في الركوع والسجود ، وأما زيادة وبحمده فهي عند أبي داود من حديث عقبة الآتي وعند الدارقطني من حديث ابن مسعود الآتي أيضا . وعنده أيضا من حديث حذيفة . وعند أحمد والطبراني من حديث أبي مالك الأشعري . وعند الحاكم من حديث أبي جحيفة ، ولكنه قال أبو داود بعد إخراجه لها من حديث عقبة : إنه يخاف أن لا تكون محفوظة .

وفي حديث ابن مسعود السري بن إسماعيل وهو ضعيف .

وفي حديث حذيفة : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف .

وفي حديث أبي مالك شهر بن حوشب ، وقد رواه أحمد والطبراني أيضا من طريق ابن السعدي عن أبيه بدونها وحديث أبي جحيفة . قال الحافظ : إسناده ضعيف ، وقد أنكر هذه الزيادة ابن الصلاح وغيره ، ولكن هذه [ ص: 285 ] الطرق تتعاضد فيرد بها هذا الإنكار . وسئل أحمد عنها فقال : أما أنا فلا أقول وبحمده انتهى .

734 - ( وعن عقبة بن عامر قال : { لما نزلت { فسبح باسم ربك العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال : اجعلوها في سجودكم } . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ) . الحديث أخرجه أيضا الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه . قوله : ( اجعلوها ) قد تبين بالحديث الأول بما سيأتي كيفية هذا الجعل

والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم ، والسجود بالأعلى أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل من الركوع فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل ، وهو الأعلى بخلاف العظيم جعلا للأبلغ مع الأبلغ والمطلق مع المطلق . والحديث يصلح متمسكا للقائلين بوجوب تسبيح الركوع والسجود وقد تقدم الجواب عنهم .

735 - ( وعن عائشة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس رب الملائكة والروح } رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ) . قوله : ( سبوح قدوس ) بضم أولهما وبفتحهما ، والضم أكثر وأفصح . قال ثعلب : كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر . قال الجوهري : سبوح من صفات الله . وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما : سبوح هو الله عز وجل والمراد المسبح والمقدس ، فكأنه يقول : مسبح مقدس . ومعنى سبوح : المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية . وقدوس : المطهر من كل ما لا يليق بالخالق وهما خبران مبتدؤهما محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس . وقال الهروي : قيل القدوس : المبارك قال القاضي عياض : وقيل فيه سبوحا قدوسا على تقدير أسبح سبوحا أو أذكر أو أعظم أو أعبد

. قوله : ( رب الملائكة والروح ) هو من عطف الخاص على العام لأن الروح من الملائكة ، وهو ملك عظيم يكون إذا وقف كجميع الملائكة ، وقيل يحتمل أن يكون جبريل وقيل خلق لا تراهم الملائكة كنسبة الملائكة إلينا

736 - ( وعن عائشة قالت { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه [ ص: 286 ] وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن } . رواه الجماعة إلا الترمذي ) . قوله : ( يكثر أن يقول ) في رواية { ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه { إذا جاء نصر الله والفتح } إلا يقول فيها : سبحانك } الحديث ، وفي بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها . قوله : ( سبحانك ) هو منصوب على المصدرية ، والتسبيح : التنزيه كما تقدم

قوله : ( وبحمدك ) متعلق بمحذوف دل عليه التسبيح : أي وبحمدك سبحتك ، ومعناه : بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي . قال القرطبي : ويظهر وجه آخر وهو إبقاء معنى الحمد على أصله وتكون الباء باء السببية ويكون معناه : بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال سبحك المسبحون وعظمك المعظمون ، وقد روي بحذف الواو من قوله وبحمدك وبإثباتها . قوله : ( اللهم اغفر لي ) يؤخذ منه إباحة الدعاء في الركوع .

وفيه رد على من كره فيه كمالك . واحتج من قال بالكراهة بحديث مسلم وأبي داود والنسائي بلفظ { أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء } الحديث ، وسيأتي ولكنه لا يعارض ما ورد من الأحاديث الدالة على إثبات الدعاء في الركوع ، لأن تعظيم الرب فيه لا ينافي الدعاء ، كما أن الدعاء في السجود لا ينافي التعظيم . قال ابن دقيق العيد : ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز وذلك على الأولوية ، ويحتمل أنه أمر في السجود بتكثير الدعاء والذي وقع في الركوع من قوله : " اللهم اغفر لي " ليس كثيرا

قوله : ( يتأول القرآن ) يعني قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك واستغفره } أي يعمل بما أمر به فيه مكان يقول هذا الكلام البديع في الجزالة ، المستوفي ما أمر به في الآية ، وكان يأتي به في الركوع والسجود ، لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها ، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به فيكون أكمل

737 - ( وعن عون عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا ركع أحدكم ، فقال في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، ثلاث مرات ، فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده : سبحان ربي الأعلى ، ثلاث مرات ، فقد تم سجوده ، وذلك أدناه . } رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وهو مرسل ، عون لم يلق ابن مسعود ) . [ ص: 287 ] الحديث قال أبو داود : مرسل كما قال المصنف ، قال : لأن عونا لم يدرك عبد الله ، وذكره البخاري في تاريخه الكبير وقال : مرسل . وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل ا هـ . وعون هذا ثقة سمع جماعة من الصحابة وأخرج له مسلم .

وفي الحديث مع الإرسال إسحاق بن يزيد الهذلي راويه عن عون لم يخرج له في الصحيح . قال ابن سيد الناس : لا نعلمه وثق ولا عرف إلا برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة ، فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية . قوله : ( وذلك أدناه في الموضعين ) أي أدنى الكمال وفيه إشعار ، بأنه لا يكون المصلي متسننا بدون الثلاث . وقد قال الماوردي : إن الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس ، ولو سبح مرة حصل التسبيح

وروى الترمذي عن ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أنه يستحب خمس تسبيحات للإمام ، وبه قال الثوري ، ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقيد بعدد . وأما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع واستحباب أن يكون عدد التسبيح وترا لا شفعا فيما زاد على الثلاث فمما لا دليل عليه

738 - ( وعن سعيد بن جبير عن { أنس قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات } . رواه أحمد وأبو داود والنسائي ) . الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان أبو يزيد الصنعاني قال أبو حاتم : صالح الحديث . وقال النسائي : ليس به بأس وليس له عند أبي داود والنسائي إلا هذا الحديث . قوله : ( فحزرنا ) أي قدرنا . قوله : ( عشر تسبيحات ) قيل فيه : حجة لمن قال : إن كمال التسبيح عشر تسبيحات ، والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد ، كلما زاد كان أولى ، والأحاديث الصحيحة في تطويله ناطقة بهذا ، وكذلك الإمام إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل . فائدة : من الأذكار المشروعة في الركوع والسجود ما تقدم في حديث علي عليه السلام في باب الاستفتاح

ومنها ما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه { كان صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ، ثم قال في سجوده مثل ذلك . } ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة { أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده : اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله [ ص: 288 ] أوله وآخره وعلانيته وسره . } ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده في صلاة الليل : { أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } . وقد ورد الإذن بمطلق التعظيم في الركوع وبمطلق الدعاء في السجود كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية