صفحة جزء
باب كيف النهوض إلى الثانية وما جاء في جلسة الاستراحة

763 - ( عن وائل بن حجر { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه . } رواه أبو داود ) .


الحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه ، وقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين . وقال : لم يسمع من أبيه شيئا ، وقال أيضا : مات وهو حمل . قال الذهبي : وهذا القول مردود بما صح عنه أنه قال : كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي . وأخرجه من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكليب والد عاصم لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم فحديثه مرسل . قال ذلك الترمذي والمنذري وغيرهما ، وقد تقدم تفصيل ذلك في باب هيئات السجود .

قوله : ( وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه ) قد تقدم الكلام على هذه الهيئة وما فيها من الاختلاف في باب هيئات السجود .

قوله : ( فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه ) لم يذكر هذا أبو داود في الباب الذي ذكر فيه طرق حديث وائل ، وإنما ذكره في باب افتتاح الصلاة . والمجافاة : المباعدة وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء

قوله : ( وإذا نهض نهض على ركبتيه ) فيه مشروعية النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين لا على الأرض .

قوله : ( على فخذيه ) الذي [ ص: 312 ] في سنن أبي داود " على فخذه " بلفظ الإفراد ، وقيده ابن رسلان في شرح السنن بالإفراد أيضا وقال : هكذا الرواية ثم قال : وفي رواية أظنها لغير المصنف : يعني أبا داود على فخذيه بالتثنية وهو اللائق بالمعنى . ورواه أيضا أبو داود في باب افتتاح الصلاة بالإفراد . قال ابن رسلان : ولعل المراد التثنية كما في ركبتيه

764 - ( وعن مالك بن الحويرث أنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا . } رواه الجماعة إلا مسلما وابن ماجه ) .

الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية وقبل النهوض إلى الركعة الثانية والرابعة ، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في المشهور عنه وطائفة من أهل الحديث ، وعن أحمد روايتان ، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر ، واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي حميد الساعدي المشتمل على وصف صلاته صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه هذه الجلسة بل ثبت في بعض ألفاظه أنه قام ولم يتورك ، كما أخرجه أبو داود ، قال : فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد من أجلها ، لا أن ذلك من سنة الصلاة ثم قوى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص . وتعقب بأن الأصل عدم العلة ، وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث { صلوا كما رأيتموني أصلي } فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر

وحديث أبي حميد يستدل به على عدم وجوبها وأنه تركها لبيان الجواز لا على عدم مشروعيتها ، على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حميد في نفي هذه الجلسة ، بل أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عنه من وجه آخر بإثباتها . وأما الذكر المخصوص فإنها جلسة خفيفة جدا استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام واحتج بعضهما على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كل من وصف صلاته وهو متعقب بأن السنة المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته إنما أخذ مجموعها عن مجموعهم

واحتجوا أيضا على عدم مشروعيتها بما وقع من حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ { كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما } وهذا الاحتجاج يرد على من قال بالوجوب لا من قال بالاستحباب لما عرفت ، على أن حديث وائل قد ذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف . واحتجوا أيضا بما أخرجه الطبراني من حديث معاذ أنه { كان يقوم كأنه السهم } وهذا لا ينفي الاستحباب المدعى على أن في إسناده متهما بالكذب ، وقد عرفت مما قدمنا [ ص: 313 ] في شرح حديث المسيء أن جلسة الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري وغيره لا كما زعمه النووي من أنها لم تذكر فيه ، وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وهم وما ذكرنا أيضا من أنه لم يقل بوجوبها أحد وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في الفتح

ومن جملة ما احتج به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم قبل حديث الباب ، وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبي عياش قال : أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس ، وذلك لا ينافي القول بأنها سنة لأن الترك لها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز .

التالي السابق


الخدمات العلمية