صفحة جزء
[ ص: 327 ] باب الإشارة بالسبابة وصفة وضع اليدين

778 - ( عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها } . رواه أحمد والنسائي وأبو داود )


. الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وهو طرف من حديث وائل المذكور في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم . قوله : { ثم قعد فافترش رجله اليسرى } استدل به من قال بمشروعية الفرش والنصب في الجلوس الأخير ، وقد تقدم تحقيق ذلك . قوله : { ووضع كفه اليسرى على فخذه } أي ممدودة غير مقبوضة ، قال إمام الحرمين : بنشر أصابعها في التفريج . قوله : ( وجعل حد مرفقه ) أي طرفه والمراد كما قال في شرح المصابيح : أن يجعل عظم مرفقه كأن رأسه وتد . قال ابن رسلان : يرفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه حتى يكون مرتفعا عنه كما يرتفع الوتد عن الأرض ، ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن . قوله : ( ثم قبض ثنتين ) أي أصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر

قوله : ( وحلق ) بتشديد اللام أي جعل أصبعيه حلقة ، والحلقة بسكون اللام جمعها حلق بفتحتين على غير قياس . وقال الأصمعي : الجمع حلق بكسر الحاء . مثل قصعة وقصع . قوله { : فرأيته يحركها } قال البيهقي : يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ { كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته } قال الحافظ : وأصله في مسلم دون قوله : ولا يجاوز بصره إشارته ، انتهى . وليس في مسلم من حديث ابن الزبير إلا الإشارة دون قوله : ولا يحركها وما بعده . ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ { وأشار بالسبابة } . وقد ورد في وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها

والثانية : ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة } . والثالثة : قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة كما في حديث ابن عمر الذي سيذكره المصنف . والرابعة : ما أخرجه مسلم من حديث ابن الزبير بلفظ { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى ، على فخذه اليسرى ، وأشار بإصبعه السبابة [ ص: 328 ] ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته } . والخامسة : وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض ، والإشارة بالسبابة ، وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة . وكذلك أخرج عن ابن عمر ما يدل على ذلك كما سيأتي وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض اللهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على الروايات التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد . وقد جعل ابن القيم في الهدي الروايات المذكورة كلها واحدة ، قال : فإن من قال : قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة ومن قال : قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى . وقد صرح بذلك من قال : وعقد ثلاثا وخمسين فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر انتهى

والحديث يدل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد وهو مجمع عليه . قال أصحاب الشافعي : تكون الإشارة بالأصبع عند قوله : إلا الله من الشهادة . قال النووي : والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته ، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص . قال ابن رسلان : والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد .

وروي عن ابن عباس في الإشارة أنه قال : هي الإخلاص وقال مجاهد : مقمعة الشيطان .

779 - ( وعن ابن عمر قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها ، وفي لفظ : كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى } . رواهما أحمد ومسلم والنسائي ) وأخرج نحوه الطبراني بلفظ : { كان إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يده على ركبته ثم يرفع أصبعه السبابة التي تلي الإبهام وباقي أصابعه على يمينه مقبوضة }

قوله : ( وضع يديه على ركبته ورفع أصبعه ) ظاهر هذا عدم القبض لشيء من الأصابع فيكون دليلا على الهيئة الخامسة التي قدمناها إلا أن يحمل على اللفظ الآخر كما سلف . ويمكن أن يقال : إن قوله : ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها مشعر بقبض اليمنى ، لكنه إشعار فيه [ ص: 329 ] خفاء على أنه يمكن أن يكون توصيف اليسرى بأنها مبسوطة ناظرا إلى رفع أصبع اليمنى للدعاء فيفيد أنه لم يرفع اليسرى للدعاء . الحديث يدل على مشروعية الإشارة وقبض الأصابع كما في اللفظ الآخر من حديث الباب ، وقد تقدم البحث عن ذلك

التالي السابق


الخدمات العلمية