صفحة جزء
باب جامع أدعية منصوص عليها في الصلاة

787 - ( عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : قل : { اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم } . متفق عليه )


. قوله : ( ظلمت نفسي ) قال في الفتح : أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ ، وفيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصيره ولو كان صديقا . قوله : ( كثيرا ) وروي بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة . قال النووي : ينبغي أن يجمع بينهما فيقول كثيرا كبيرا . قال . الشيخ عز الدين بن جماعة : ينبغي أن يجمع بين الروايتين فيأتي مرة بالمثلثة ومرة بالموحدة ، فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم بيقين ، وإذا أتى بما ذكره النووي لم يكن آتيا بالسنة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق به كذلك ا هـ

قوله : ( ولا يغفر الذنوب إلا أنت ) [ ص: 340 ] قال الحافظ : فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة وهو كقوله تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله } فأثنى على المستغفرين ، وفي ضمن ثنائه بالاستغفار لوح بالأمر به كما قيل إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به ، وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه . قوله : ( مغفرة من عندك ) قال الطيبي : ذكر التنكير يدل على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه وتعالى مريدا بذلك التعظيم ; لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف . وقال ابن دقيق العيد : يحتمل وجهين : أحدهما الإشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال : لا يفعل هذا إلا أنت فافعله أنت

. والثاني وهو أحسن أنه أشار إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره ، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي . قوله : ( إنك أنت الغفور الرحيم ) قال الحافظ : هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدم ، فالغفور مقابل لقوله اغفر لي ، والرحيم مقابل لقوله ارحمني وهي مقابلة مرتبة . والحديث يدل على مشروعية هذا الدعاء في الصلاة ، ولم يصرح بمحله . قال ابن دقيق العيد : ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين : السجود أو التشهد لأنه أمر فيهما بالدعاء ، وقد أشار البخاري إلى محله فأورده في باب الدعاء قبل السلام . قال في الفتح : في الحديث من الفوائد استحباب طلب التعليم من العالم خصوصا ما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم

788 - ( وعن عبيد بن القعقاع قال : رمق رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فجعل يقول في صلاته : { اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي فيما رزقتني } . رواه أحمد ) . عبيد بن القعقاع ، ويقال حميد بن القعقاع لا يعرف حاله ، والراوي عنه أبو مسعود الجريري لا يعرف حاله ، وقد اختلف فيه على شعبة . قال ابن حجر في المنفعة : وله شاهد من حديث أبي موسى في الدعاء للطبراني وأبو مسعود الجريري هو سعيد بن إياس ، ثقة أخرج له الجماعة ، فلا وجه لقول من قال : لا يعرف حاله

والحديث فيه مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في مطلق الصلاة من غير تقييد بمحل منها مخصوص ، وجهالة الراوي عنه صلى الله عليه وسلم لا تضر ; لأن جهالة الصحابي مغتفرة ، كما ذهب إلى ذلك الجمهور ، ودلت عليه الأدلة ، وقد ذكرت الأدلة على ذلك في الرسالة التي سميتها " القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول " . قوله : ( رمق رجل ) الرمق : اللحظ الخفيف كما في القاموس . [ ص: 341 ]

789 - ( وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته : { اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم } . رواه النسائي ) الحديث رجال إسناده ثقات ، وقد ذكره في الجامع عند أدعية الاستخارة بلفظ : " عن رجل من بني حنظلة قال : صحبت شداد بن أوس فقال : { ألا أعلمك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ؟ تقول إذا روينا أمرا فذكره وزاد : { إنك أنت علام الغيوب } } أخرجه الترمذي ، وزاد في حديث آخر بمعناه " إذا أوى إلى فراشه " ولم يذكر فيه إذا روينا أمرا . وقد أخرجه النسائي في اليوم والليلة ولم يذكر في الصلاة

وأما صاحب التيسير فساقه باللفظ الذي ذكره المصنف . قوله : ( كان يقول في صلاته ) هذا الدعاء ورد مطلقا في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص . قوله : ( الثبات في الأمر ) سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية ; لأن من يثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر على خلاف ما يرضاه الله تعالى

قوله : ( والعزيمة على الرشد ) هي تكون بمعنى إرادة الفعل وبمعنى الجد في طلبه ، والمناسب هنا هو الثاني . قوله : ( قلبا سليما ) أي غير عليل بكدر المعصية ولا مريض بالاشتمال على الغل والانطواء على الإحن

قوله : ( من خير ما تعلم ) هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق ; لأن علمه جل جلاله محيط بجميع الأشياء ، وكذلك التعوذ من شر ما يعلم والاستغفار لما يعلم ، فكأنه قال : أسألك من خير كل شيء ، وأعوذ بك من شر كل شيء وأستغفرك لكل ذنب .

790 - ( وعن أبي هريرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده : اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره } . رواه مسلم وأبو داود ) . قوله : ( ذنبي كله ) استدل به على جواز نسبة الذنب إليه صلى الله عليه وسلم وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال مذكورة في الأصول :

أحدها أن الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر ، وهذا هو اللائق بشرفهم لولا مخالفته لصرائح القرآن والسنة المشعرة بأن لهم ذنوبا . قوله : ( دقه وجله ) بكسر أولهما : أي قليله وكثيره . قوله : ( وأوله وآخره ) هو من عطف الخاص على العام

قوله : ( وعلانيته وسره ) هو كذلك ، قال النووي : فيه [ ص: 342 ] تكثير ألفاظ الدعاء وتوكيده وإن أغنى بعضها عن بعض .

791 - ( وعن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها ، فأنكروا ذلك ، فقال : ألم أتم الركوع والسجود ؟ فقالوا : بلى ، قال : أما إني دعوت فيها بدعاء { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة ، ومن فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين } . رواه أحمد والنسائي ) الحديث رجال إسناده ثقات ، وساقه بإسناد آخر بنحو هذا اللفظ ، وإسناده في سنن النسائي هكذا : أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال : حدثنا حماد قال : حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه قال : صلى عمار فذكره ، وفي إسناده عطاء بن السائب ، وقد اختلط ، وأخرج له البخاري مقرونا بآخر وبقية رجاله ثقات ، ووالد عطاء هو السائب بن مالك الكوفي ، وثقه العجلي

قوله : ( فأوجز فيها ) لعله لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا لم يكن للإنكار عليه وجه ، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال : { ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام } . قوله : ( فأنكروا ذلك عليه ) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال . قوله : ( ألم أتم الركوع والسجود ) فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه . قوله : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به ) يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك ، ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من الكلام

قوله : ( بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ) فيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله . قوله : ( أحيني ) إلى قوله : ( خيرا لي ) هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ : { اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي } وهو يدل على جواز الدعاء بهذا ، لكن عند نزول الضرر كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه ولفظه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني إلى آخره } . قوله : ( خشيتك في الغيب والشهادة ) أي في مغيب الناس [ ص: 343 ] وحضورهم ; لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس

قوله : ( وكلمة الحق في الغضب والرضا ) إنما جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق وكذلك الرضا بما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق . قوله : ( والقصد في الفقر والغنى ) القصد في كتب اللغة : بمعنى استقامة الطريق والاعتدال وبمعنى ضد الإفراط وهو المناسب هنا ; لأن بطر الغنى ربما جر إلى الإفراط ، وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط ، فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة

قوله : ( ولذة النظر إلى وجهك ) فيه متمسك للأشعرية ومن قال بقولهم ، والمسألة طويلة الذيل ومحلها علم الكلام وقد أفردتها برسالة مطولة سميتها : البغية في الرؤية . قوله : ( والشوق إلى لقائك ) إنما سأله صلى الله عليه وسلم لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده لحديث { من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه } ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة

قوله : ( مضرة ) إنما قيد صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلا فلا يليق الاستعاذة منها . قوله : ( مضلة ) وصفها صلى الله عليه وسلم بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية ، وهي بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ به . قال أهل اللغة : الفتنة الامتحان والاختبار .

792 - ( وعن معاذ بن جبل قال : لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك } رواه أحمد والنسائي وأبو داود ) . الحديث قال الحافظ سنده قوي ، وذكره المصنف في هذا الباب المشتمل على أدعية الصلاة بناء على أن لفظ الحديث في كل صلاة كما في الكتاب ، وقد رواه غيره بلفظ " دبر كل صلاة " وهو عند داود بلفظ " في دبر كل صلاة "

وكذلك رويته من طريق مشايخي مسلسلا بالمحبة ، فلا يكون باعتبار هذه الزيادة من أدعية الصلاة ; لأن دبر الصلاة بعدها على الأقرب كما سيأتي ، ويحتمل دبر الصلاة آخرها قبل الخروج منها ; لأن دبر الحيوان منه ، وعليه بعض أئمة الحديث ، فلعل المصنف أراد ذلك ولكنه يشكل عليه إيراده لأدعية مقيدة بذلك في باب الذكر بعد الصلاة كحديث ابن الزبير وحديث المغيرة الآتيين . قوله : ( إني أوصيك بكلمات تقولهن ) في رواية أبي داود " لا تدعهن " والنهي أصله التحريم ، فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات ، وقيل إنه نهي إرشاد وهو محتاج إلى قرينة

ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة .

793 - ( وعن عائشة { أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعها ، فلمسته بيدها فوقعت [ ص: 344 ] عليه وهو ساجد وهو يقول : رب أعط نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها } . رواه أحمد ) . الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة بلفظ : { فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فلمست المسجد فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول : إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } فيمكن أن يكون اللفظ الذي ذكره أحمد من أحد روايات هذا الحديث

ويمكن أن يكون حديثا مستقلا ويحمل ذلك على تعدد الواقعة . قوله ( أعط نفسي تقواها ) أي اجعلها متقية سامعة مطيعة . قوله : ( زكها ) أي اجعلها زاكية بما تفضلت به عليها من التقوى وخصال الخير . قوله : ( أنت وليها ) أي متولي أمورها ومولاها : أي مالكها . والحديث يدل على مشروعية الدعاء في السجود وقد تقدم الكلام على ذلك .

794 - ( وعن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فجعل يقول في صلاته أو في سجوده : اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا ، وعن شمالي نورا ، وأمامي نورا ، وخلفي نورا ، وفوقي نورا ، وتحتي نورا ، واجعل لي نورا أو قال : واجعلني نورا } . مختصر من مسلم ) . الحديث ذكره مسلم في صحيحه مطولا ومختصرا بطرق متعددة وألفاظ مختلفة ، وجميع الروايات مقيدة بصلاة الليل

قوله : ( في صلاته أو في سجوده ) هذا الشك وقع في رواية محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس .

وفي رواية في مسلم : " فخرج إلى الصلاة وهو يقول " الحديث .

وفي رواية له : " وكان في دعائه اللهم اجعل " . . . إلخ من غير تقييد بحال الصلاة ولا بحال الخروج . قوله : ( اجعل في قلبي نورا ) إلى آخر الحديث قال النووي : قال العلماء : سأل النور في أعضائه وجهاته ، والمراد بيان الحق وضياؤه والهداية إليه ، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته وفي جهاته الست حتى لا يزيغ شيء فيها عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية