صفحة جزء
[ ص: 69 ] باب ما جاء في قيام الليل .

949 - ( عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ قال : { الصلاة في جوف الليل ، قال : فأي الصيام أفضل بعد رمضان ؟ قال : شهر الله المحرم } . رواه الجماعة إلا البخاري ، ، ولابن ماجه منه فضل الصوم فقط ) .


وفي الباب عن بلال عند الترمذي في كتاب الدعوات من سننه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم } .

وعن أبي أمامة عند ابن عدي في الكامل والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي مثل حديث بلال ، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو مختلف فيه . ولأبي أمامة حديث آخر عند محمد بن نصر والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث ، وفيه : { والصلاة بالليل والناس نيام } ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو مختلف فيه .

وعن جابر عند ابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار } ، قال العراقي : وهذا حديث شبه الموضوع ، اشتبه على ثابت بن موسى ، وإنما قاله شريك القاضي لثابت عقب إسناد ذكره فظنه ثابت حديثا

ولجابر حديث آخر رواه والطبراني في الأوسط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يدعن صلاة الليل ولو حلب شاة } قال الطبراني : تفرد به بقية . ولجابر أيضا حديث آخر عند ابن حبان في صحيحه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر حديثا ، وفيه : { وإن هو توضأ ثم قام إلى الصلاة أصبح نشيطا قد أصاب خيرا وقد انحلت عقده كلها } وعن سلمان الفارسي عند ابن عدي في الكامل والطبراني بلفظ حديث بلال المتقدم

وعن ابن عباس عند محمد بن نصر والطبراني في الكبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عليكم بقيام الليل ولو ركعة واحدة } ، وفي إسناده حسين بن عبد الله وهو ضعيف . وله حديث آخر عند الترمذي في التفسير مثل حديث أبي أمامة الثاني . وعن عبد الله بن سلام عند الترمذي في الزهد وصححه ، وابن ماجه بنحو حديث أبي أمامة الثاني أيضا وعن ابن عمر عند محمد بن نصر بنحو حديث أبي أمامة الثاني أيضا . وعن عبد الله ابن عمر عند محمد بن نصر بنحوه أيضا . وعن علي عند الترمذي في البر بنحوه أيضا . وعن أبي مالك الأشعري عند محمد بن نصر والطبراني بنحوه أيضا بإسناد جيد . وعن معاذ عند الترمذي في التفسير بنحو حديث ابن عباس وعن ثوبان عند البزار بنحو حديث أبي أمامة .

وعن ابن مسعود [ ص: 70 ] عند ابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عجب ربنا من رجلين : رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته فيقول الله - تعالى - : انظروا إلى عبدي ثار من وطائه وفراشه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي } الحديث ورواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير . قال العراقي : وإسناده جيد .

وعن سهل بن سعد عند الطبراني في الأوسط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه : واعلم { أن شرف المؤمن قيام الليل }

وعن أبي سعيد عند ابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله ليضحك إلى ثلاثة : للصف في الصلاة ، وللرجل يصلي في جوف الليل ، وللرجل يقاتل الكتيبة } وعن إياس بن معاوية المزني عند الطبراني في الكبير مثل حديث جابر الثاني . وهذه الأحاديث تدل على تأكيد استحباب قيام الليل ومشروعية الاستكثار من الصلوات فيه ، وبها استدل من قال : إن الوتر أفضل من صلاة الصبح ، وقد قدمنا الخلاف في ذلك

وحديث الباب أيضا يدل على تفضيل الصيام في المحرم ، وأن صيامه أفضل من صيام بقية الأشهر ، وهو مخصص لعموم ما عند البخاري والترمذي ، وصححه والنسائي وأبو داود من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر فقالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ فقال : ولا الجهاد في سبيل الله ; إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء } وهذا إذا كان كون الشيء أحب إلى الله يستلزم أنه أفضل من غيره ، وإن كان لا يستلزم ذلك فلا حاجة إلى التخصيص لعدم التنافي

950 - ( وعن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن } . رواه الترمذي وصححه ) . الحديث رجال إسناده رجال الصحيح ، وأخرجه أيضا أبو داود والحاكم وفي الباب عن أبي هريرة عند الجماعة كلهم قال : قال صلى الله عليه وسلم : { ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك ، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ، من ذا الذي يسألني فأعطيه ، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر }

وعن علي عند أحمد والدارقطني قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا وفيه " فإنه { إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا فلم يزل هنالك حتى يطلع الفجر ، فيقول القائل : ألا سائل يعطى سؤاله ؟ ألا داع يجاب ؟ } وعن أبي سعيد [ ص: 71 ] عند مسلم والنسائي في اليوم والليلة بنحو حديث أبي هريرة . وعن جبير بن مطعم عند النسائي في اليوم والليلة بنحو حديث أبي هريرة أيضا وعن ابن مسعود عند أحمد بنحوه .

وعن أبي الدرداء عند الطبراني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا ، وفيه { ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول : ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له ؟ ألا سائل يسألني فأعطيه ؟ ألا داع يدعوني فأستجيب له ؟ حتى يطلع الفجر } قال الطبراني : وهو حديث منكر وعن عثمان بن العاص عند أحمد والبزار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ينادي مناد كل ليلة هل من داع فيستجاب له ؟ هل من سائل فيعطى ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ حتى يطلع الفجر } وعن جابر عند الدارقطني وأبي الشيخ بنحو حديث أبي هريرة ، وفي إسناده محمد بن إسماعيل الجعفري وهو منكر الحديث قاله أبو حاتم . وعن عبادة بن الصامت عند الطبراني في الكبير والأوسط بنحو حديث أبي هريرة أيضا .

وعن عقبة بن عامر عند الدارقطني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا مضى ثلث الليل - أو قال نصف الليل - ينزل الله - عز وجل - إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي أحدا غيري } .

وعن عمرو بن عبسة حديث آخر غير المذكور في الباب عند الدارقطني قال : { أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله جعلني الله فداك ، علمني شيئا تعلمه وأجهله ، ينفعني ولا يضرك ، ما ساعة أقرب من ساعة ؟ فقال : يا عمرو لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، إن الرب - عز وجل - يتدلى من جوف الليل - زاد في رواية - فيغفر إلا ما كان من الشرك } وله حديث آخر عند أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صلاة الليل مثنى مثنى ، وجوف الليل الآخر أجوبه دعوة قلت : أوجبه ، قال : لا ، أجوبه } يعني بذلك الإجابة ، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي مريم وهو ضعيف . وعن أبي الخطاب عند أحمد بنحو حديث أبي هريرة

وهذه الأحاديث تدل على استحباب الصلاة والدعاء في ثلث الليل الآخر وأنه وقت لإجابة المغفرة . والنزول المذكور في الأحاديث قد طول علماء الإسلام الكلام في تأويله ، وأنكر الأحاديث الواردة به كثير من المعتزلة ، والطريقة المستقيمة ما كان عليه التابعون كالزهري ومكحول والسفيانين والليث وحماد بن سلمة وحماد بن زيد والأوزاعي وابن المبارك والأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم فإنهم أجروها كما جاءت بلا كيفية ولا تعرض لتأويل .

951 - ( وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن أحب الصيام [ ص: 72 ] إلى الله صيام داود ، وأحب الصلاة إلى الله - عز وجل - صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما } رواه الجماعة إلا الترمذي ، فإنه إنما روى فضل الصوم فقط ) .

الحديث يدل على أن صوم يوم وإفطار يوم أحب إلى الله من غيره ، وإن كان أكثر منه وما كان أحب إلى الله - جل جلاله - فهو أفضل ، والاشتغال به أولى ، وفي رواية لمسلم أن عبد الله بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أطيق أفضل من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أفضل من ذلك " . وسيأتي ذكر الحكمة في ذلك في كتاب الصيام عند ذكر المصنف لهذا الحديث - إن شاء الله -

ويدل على أفضلية قيام ثلث الليل بعد نوم نصفه ، وتعقيب قيام ذلك الثلث ، بنوم السدس الآخر ، ليكون ذلك كالفاصل ما بين صلاة التطوع والفريضة ، ويحصل بسببه النشاط لتأدية صلاة الصبح ، لأنه لو وصل القيام بصلاة الفجر لم يأمن أن يكون وقت القيام إليها ذاهب النشاط والخشوع لما به من التعب والفتور . ويجمع بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة المتقدم بنحو ما سلف .

952 - ( وعن عائشة { أنها سئلت كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت : كل ذلك قد كان يفعل ، ربما أسر ، وربما جهر } رواه الخمسة وصححه الترمذي ) . الحديث رجاله رجال الصحيح .

وفي الباب عن أبي قتادة عند الترمذي وأبي داود { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك فقال : إني أسمعت من ناجيت ، قال : ارفع قليلا وقال لعمر : مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك ، فقال : إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان ، قال : اخفض قليلا } .

وعن ابن عباس عند أبي داود قال : { كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت } وعن علي نحو حديث أبي قتادة ، وعن عمار عند الطبراني بنحو حديث أبي قتادة أيضا .

وعن أبي هريرة عند أبي داود بنحوه أيضا ، وله حديث آخر عند أبي داود ، قال : { كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يرفع طورا ويخفض طورا ، } وله حديث ثالث عند أحمد والبزار { أن عبد الله بن حذافة قام يصلي فجهر بصلاته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن حذافة لا تسمعني وسمع ربك } . قال العراقي : وإسناده صحيح

وعن أبي سعيد عند أبي داود والنسائي قال { اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف الستر وقال : [ ص: 73 ] ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة - أو قال - : في الصلاة } .

وعن ابن عمر عند أحمد والبزار والطبراني بنحو حديث أبي سعيد . وعن البياضي واسمه فروة بن عمر وعند أحمد ، قال العراقي : بإسناد صحيح ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال : إن المصلي يناجي ربه - عز وجل - فلينظر بما يناجيه ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن } . وعن عقبة بن عامر عند أبي داود والترمذي والنسائي قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة } .

وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير بنحو حديث عقبة ، وفي إسناده إسحاق بن مالك الحضرمي ، ضعفه الأزدي ، ورواه الطبراني من وجه آخر وفيه بسر بن نمير وهو ضعيف جدا

وفي الباب أحاديث كثيرة ، وفيها أن الجهر والإسرار جائزان في قراءة صلاة الليل ، وأكثر الأحاديث المذكورة تدل على أن المستحب في القراءة في صلاة الليل التوسط بين الجهر والإسرار . وحديث عقبة وما في معناه يدل على أن السر أفضل لما علم من أن إخفاء الصدقة أفضل من إظهارها .

953 - ( وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين } . رواه أحمد ومسلم ) .

954 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين } . رواه أحمد ومسلم وأبو داود )

الحديثان يدلان على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما ، وقد تقدم الجمع بين روايات عائشة المختلفة في حكايتها لصلاته صلى الله عليه وسلم أنها ثلاث عشرة تارة ، وأنها إحدى عشرة أخرى ، بأنها ضمت هاتين الركعتين فقالت ثلاث عشرة ، ولم تضمهما فقالت إحدى عشرة ، ولا منافاة بين هذين الحديثين وبين قولها في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم : صلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن لأن المراد : صلى أربعا بعد هاتين الركعتين

وقد استدل المصنف بذلك على ترك نقض الوتر فقال : وعمومه حجة في ترك نقض الوتر . انتهى . وقد قدمنا الكلام على هذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية