صفحة جزء
[ ص: 87 ] باب صلاة الاستخارة .

965 - ( عن جابر بن عبد الله قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به ، قال : ويسمي حاجته } . رواه الجماعة إلا مسلما ) .


الحديث مع كونه في صحيح البخاري ومع تصحيح الترمذي وأبي حاتم له قد ضعفه أحمد بن حنبل وقال : إن حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي ، يعني الذي أخرجه هؤلاء الجماعة من طريقه منكر في الاستخارة . قال ابن عدي في الكامل في ترجمة عبد الرحمن المذكور إنه أنكر عليه حديث الاستخارة ، قال : وقد رواه غير واحد من الصحابة انتهى . وقد وثق عبد الرحمن بن أبي الموالي جمهور أهل العلم كما قال العراقي ، وقال أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم : لا بأس به ، وفي الباب عن ابن مسعود عند الطبراني قال : { علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخارة قال : إذا أراد أحدكم أمرا فليقل } فذكر نحو حديث الباب ، وفي إسناده صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة التيمي وهو متروك كما ذكر في التقريب

وعن أبي أيوب عند الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه ، وفيه ثم قال : " اللهم إنك تقدر ولا أقدر " وذكر الحديث . وعن أبي بكر الصديق عند الترمذي في الدعوات { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال : اللهم خر لي واختر لي } وفي إسناده ضعف

وعن أبي سعيد عند أبي يعلى الموصلي بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا أراد أحدكم أمرا فليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك الحديث } وزاد في آخره " لا حول ولا قوة إلا بالله " . قال العراقي : وإسناده جيد ، وعن سعد بن أبي وقاص عند أحمد وأبي يعلى والبزار في مسانيدهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من سعادة ابن آدم استخارته الله عز وجل } . قال البزار : لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عند سعد ، ولا رواه عنه [ ص: 88 ] إلا ابنه محمد قال العراقي : قد رواه البزار أيضا من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه نحوه وكلاهما لا يصح إسناده ، وأصل الحديث عند الترمذي في الرضا والسخط .

وعن ابن عباس وابن عمر عند الطبراني في الكبير قالا : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن : اللهم إني أستخيرك الحديث ، إلى قوله : علام الغيوب } وفي إسناده عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة وهو متهم بالكذب وعن ابن عمر حديث آخر عند الطبراني في الأوسط بنحو حديثه الأول قوله : ( في الأمور كلها ) دليل على العموم ، وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه ، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله " قوله : ( كما يعلمنا السورة من القرآن ) فيه دليل على الاهتمام بأمر الاستخارة وأنه متأكد مرغب فيه

قال العراقي : ولم أجد من قال بوجوب الاستخارة مستدلا بتشبيه ذلك بتعليم السورة من القرآن كما استدل بعضهم على وجوب التشهد في الصلاة بقول ابن مسعود : " كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " . فإن قال قائل : إنما دل على وجوب التشهد الأمر في قوله : " فليقل التحيات لله " الحديث ، قلنا : وهذا أيضا فيه الأمر بقوله : " فليركع ركعتين ثم ليقل "

فإن قال : الأمر في هذا تعلق بالشرط وهو قوله : " إذا هم أحدكم بالأمر " . قلنا : إنما يؤمر به عند إرادة ذلك لا مطلقا كما قال : في التشهد " إذا صلى أحدكم فليقل التحيات " . قال : ومما يدل على عدم وجوب الاستخارة الأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس من قوله : هل علي غيرها ؟ قال : " لا إلا أن تطوع " وغير ذلك انتهى

وفيه ما قدمنا لك في باب تحية المسجد قوله : ( فليركع ركعتين ) فيه أن السنة في الاستخارة كونها ركعتين فلا تجزئ الركعة الواحدة ، وهل يجزئ في ذلك أن يصلي أربعا أو أكثر بتسليمة ، يحتمل أن يقال : يجزئ ذلك لقوله في حديث أبي أيوب " ثم صل ما كتب الله لك " فهو دال على أنها لا تضر الزيادة على الركعتين ، ومفهوم العدد في قوله : " فليركع ركعتين " ليس بحجة على قول الجمهور قوله : ( من غير الفريضة ) فيه أنه لا يحصل التسنن بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة والسنن الراتبة وتحية المسجد وغير ذلك من النوافل

وقال النووي في الأذكار : إنه يحصل التسنن بذلك وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمره بذلك بعد حصول الهم بالأمر فإذا صلى راتبة أو فريضة ثم هم بأمر بعد الصلاة أو في أثناء الصلاة لم يحصل بذلك الإتيان بالصلاة المسنونة عند الاستخارة

قال العراقي : إن كان همه بالأمر قبل الشروع في الراتبة ونحوها ثم صلى من غير نية الاستخارة وبدا له بعد الصلاة الإتيان [ ص: 89 ] بدعاء الاستخارة فالظاهر حصول ذلك قوله : ( ثم ليقل ) فيه أنه لا يضر تأخر دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل ، وأنه لا يضر الفصل بكلام آخر يسير خصوصا إن كان من آداب الدعاء لأنه أتى بثم المقتضية للتراخي ، قوله : ( أستخيرك ) أي أطلب منك الخير أو الخيرة . قال صاحب المحكم : استخار الله : طلب منه الخير . وقال صاحب النهاية : خار الله لك : أي أعطاك الله ما هو خير لك قال : والخيرة بسكون الياء الاسم منه قال : فأما بالفتح فهي الاسم من قوله : اختاره الله

قوله : ( بعلمك ) الباء للتعليل أي بأنك أعلم ، وكذا قوله : ( بقدرتك ) قوله : ( ومعاشي ) المعاش والعيشة واحد يستعملان مصدرا واسما ، قال صاحب المحكم : العيش : الحياة ، قال : والمعيش والمعاش والمعيشة ما يؤنس به انتهى

قوله : ( أو قال عاجل أمري ) هو شك من الراوي قوله : ( فاصرفه عني واصرفني عنه ) هو طلب الأكمل من وجوه انصراف ما ليس فيه خيرة عنه ، ولم يكتف بسؤال صرف أحد الأمرين لأنه قد يصرف الله المستخير عن ذلك الأمر بأن ينقطع طلبه له ، وذلك الأمر الذي ليس فيه خيرة بطلبه فربما أدركه ، وقد يصرف الله عن المستخير ذلك الأمر ، ولا يصرف قلب العبد عنه بل يبقى متطلعا متشوقا إلى حصوله ، فلا يطيب له خاطر إلا بحصوله فلا يطمئن خاطره ، فإذا صرف كل منهما عن الآخر كان ذلك أكمل ، ولذلك قال : " واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به " لأنه إذا قدر له الخير ولم يرض به كان منكد العيش آثما بعدم رضاه بما قدره الله له مع كونه خيرا له قوله : ( ويسمي حاجته ) أي في أثناء الدعاء عند ذكرها بالكناية عنها في قوله : " إن كان هذا الأمر

والحديث يدل على مشروعية صلاة الاستخارة والدعاء عقيبها ولا أعلم في ذلك خلافا ، وهل يستحب تكرار الصلاة والدعاء قال العراقي : الظاهر الاستحباب . وقد ورد في حديث تكرار الاستخارة سبعا ، رواه ابن السني من حديث أنس مرفوعا بلفظ { إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه } . قال النووي في الأذكار : إسناده غريب فيه من لا أعرفهم قال العراقي : كلهم معروفون ولكن بعضهم معروف بالضعف الشديد وهو إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك ، وقد ذكره في الضعفاء العقيلي وابن حبان وابن عدي والأزدي . قال العقيلي : يحدث عن الثقات بالبواطيل ، وكذا قال ابن عدي وقال ابن حبان : شيخ كان يدور بالشام يحدث عن الثقات بالموضوعات ، لا يجوز ذكره إلا على سبيل القدح فيه ، وقد رواه الحسن بن سعيد الموصلي فقال : حدثنا إبراهيم بن حبان بن النجار حدثنا أبي عن أبيه البخاري عن أنس فكأنه دلسه وسماه النجار لكونه من بني النجار . قال العراقي : فالحديث على هذا ساقط لا حجة فيه

نعم قد يستدل للتكرار " بأن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 90 ] كان إذا دعا دعا ثلاثا " للحديث الصحيح ، وهذا وإن كان المراد به تكرار الدعاء في الوقت الواحد ، فالدعاء الذي تسن الصلاة له تكرر الصلاة له كالاستسقاء .

قال النووي : ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة ، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا وإلا فلا يكون مستخيرا لله بل يكون مستخيرا لهواه وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى ، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية